بعد السابع من أكتوبر لم تعد المعتقلات الإسرائيلية مجرد أماكن احتجاز، بل تحوّلت إلى فضاءات مكتظة بالقسوة الوحشية والتعذيب الإنتقامي الممنهج، تُدار فيها المعاناة كأنها نظام يومي، ويُعامل الإنسان كرقمٍ قابلٍ للكسر. منذ السابع من أكتوبر، اتخذت المعتقلات الإسرائيلية وجهاً أكثر وحشية، حيث صارت الهراوات لغة الحوار، والكلاب أداة “الردع”، والصمت رفيق الألم الطويل.
قرابة 9,300 أسير فلسطيني يعيشون اليوم خلف القضبان، بينهم آلاف من غزة محتجزون في معسكرات عسكرية خارج القانون، بلا محاكمات ولا تهم واضحة. أما الاعتقال الإداري، فقد ابتلع نحو 3,350 إنساناً في فراغٍ قانوني يشبه الغياب القسري، حيث يُسجن المرء لأن اسمه فلسطيني، لا أكثر. هكذا تُختصر العدالة في إجراء، وتُختزل الحرية في رقم.
في الزوايا الباردة من هذه السجون، يقف 350 طفلًا و51 أسيرة تحت وطأة ظروف قاسية، تُسلب فيها الطفولة من ضحكاتها، وتُجرَّد الأنوثة من كرامتها، كأن الألم لا يفرّق بين جسدٍ صغير وآخر مُنهَك. هنا، لا يُنظر إلى العمر ولا إلى الضعف، بل إلى الهوية وحدها، وكأنها ذنب يستحق العقاب.
سجن “جلبوع” صار شاهداً حياً على هذا الانحدار الإنساني والوحشية. 320 أسيراً هناك يعانون من سياسات عدوانية ممنهجة: مصادرة المتعلقات الخاصة بالمعتقلين، تحويل الغرف إلى زنازين خانقة، منع الفورة، حرمان من الملابس والأغطية، فرض غرامات تعسفية، وإلغاء أي تمثيل يحفظ لهم صوتاً. الضرب ليس حادثاً عابراً، بل روتين، والإهانة ليست استثناءً، بل أسلوب إدارة، تُمارَس بلا تردد ولا مساءلة.
تقارير قانونية كشفت عن اقتحامات استفزازية وضرب مبرح يُمارَس بلا خوف من محاسبة، فيما يُترك المرضى بلا علاج، كأن الإهمال الطبي عقوبة إضافية، أو طريق بطيء نحو الموت. الجسد المنهك لا يُسعَف، والوجع لا يُداوَى، وكأن الألم نفسه صار جزءاً من الحكم.
وقد استُشهد 31 أسيراً خلال عام واحد نتيجة التعذيب والإهمال المتعمّد. لم يموتوا لأن أجسادهم ضعفت، بل لأن القسوة لم تعرف حداً. في هذه الزنازين، لا يُكسر الجسد وحده، بل تُستنزف الذاكرة، ويُعاقَب الأمل، وتُخنق الأحلام في ممرات لا يصلها الضوء.
ومع ذلك، يصرّ الأسرى على كتابة أسمائهم على الجدران، لا لتخليد الألم، بل لتأكيد الوجود. كأن الاسم آخر ما تبقّى من الحرية، وكأن الحروف دروع صغيرة في وجه النسيان. هناك، خلف الأبواب الحديدية، ما زالت القلوب تنبض، وما زالت الأرواح تقاوم بطريقتها الصامتة.
ما يجري في السجون الإسرائيلية ليس “إجراءات أمنية”، بل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تُرتكب خلف الأبواب المغلقة، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة. فالأسير الفلسطيني لا يطلب امتيازاً، بل حقاً بسيطاً: أن يُعامَل كإنسان، أن يُداوى بدل أن يُترك للنزيف، وأن يُحاكَم بدل أن يُخفى.
فالحرية لا تبدأ من فتح الأبواب، بل من الاعتراف بأن خلف القضبان بشراً يستحقون الحياة، لا الزنازين.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
