في لحظة تاريخية تتكاثف فيها المآسي الإنسانية وتتعاظم التحديات التنموية في غزة ، كان من المفترض أن تعكس القرارات الدولية روح العدالة والإنصاف، وأن تُجسّد المبادئ التي طالما تبنّاها الخطاب الأممي حول تمكين المرأة والمشاركة المجتمعية. غير أن تعيين لجنة إدارة غزة بتمثيل نسوي يقتصر على امرأة واحدة، يكشف عن فجوة عميقة بين الشعارات والممارسات، ويعيد طرح السؤال المؤلم: أين تقف المرأة في سلّم الأولويات الدولية؟
ليس تمكين المرأة ترفاً سياسياً ولا زينة خطابية تُستدعى عند الحاجة، بل هو شرط جوهري لبناء مجتمعات قادرة على الصمود في وجه الأزمات. فالمرأة الفلسطينية، التي وقفت في قلب العاصفة خلال حرب الإبادة، لم تكن مجرد شاهدة على الألم، بل كانت صانعة للحياة وسط الركام. حملت الأسرة حين غاب الأمان، وقادت المجتمع حين تهاوت المؤسسات، وحوّلت المعاناة إلى فعل مقاومة يومي بالصبر والعمل والرعاية.
ورغم ذلك، تُختزل مشاركتها في موقع رمزي، وكأن حضورها يُراد له أن يكون ديكوراً سياسياً لا شريكاً في صناعة القرار. هذا الإقصاء لا يعكس فقط خللاً في معايير العدالة الجندرية، بل يكرّس نمطاً عالمياً تتشابه فيه ممارسات “العالم المتقدّم” مع إخفاقات “العالم الثالث” في التعامل مع النساء: خطابات منمّقة، وواقع يُعيد إنتاج التهميش.
إن المجتمعات التي تستثمر في النساء لا تبني أفراداً أقوى فحسب، بل تبني مستقبلاً أكثر استقراراً وعدالة. فالمرأة ليست نصف المجتمع عدداً فقط، بل هي قلبه النابض وذاكرته الحيّة، وهي الأكثر قرباً من تفاصيل الألم والاحتياجات اليومية، والأقدر على تحويل السياسات إلى حلول ملموسة.
المشاركة المجتمعية، وخاصة مشاركة النساء، ليست مسألة تمثيل شكلي، بل فعل تحرّر من منطق الوصاية. فحين يُقصى المجتمع عن قراراته، تتحوّل التنمية إلى مشروع مفروض من الخارج، بلا روح ولا استدامة. أما حين يُشرك الناس، رجالاً ونساءً، في رسم مستقبلهم، يصبحون شركاء في الحل لا مجرد متلقّين للمساعدات.
تمكين المرأة في صنع القرار ليس صراعاً مع الرجل، بل هو إعادة توازن للسلطة، واستثمار في رأس المال البشري، وخطوة أساسية نحو العدالة الاجتماعية. وأي مقاربة تتجاهل الجذور الثقافية والبنيوية للإقصاء، ستظل قاصرة، مؤقتة، وعاجزة عن إحداث التغيير الحقيقي.
لقد أثبتت الحرب أن المرأة الفلسطينية هي المجتمع حين يتصدّع، وهي الأمل حين يضيق الأفق. فهل يجرؤ قادة ومؤثرين العالم والدول والأحزاب على الاعتراف بذلك فعلاً، لا قولاً؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
