في الظروف الطبيعية، تلجأ الاتحادات العمالية والنقابات إلى أدوات معروفة للدفاع عن حقوق العاملين: الاحتجاج الميداني، الإضراب، الضغط النقابي، والتواصل المباشر مع صُنّاع القرار. غير أن ما يواجهه موظفو وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) اليوم هو وضع استثنائي، لا يسمح باستخدام هذه الأدوات، لا بسبب ضعف الإرادة، بل نتيجة واقع أمني وسياسي معقّد، لا سيما في الأراضي الفلسطينية المحتلة والدول المضيفة.
فعدم الاستقرار، وتداعيات الحرب، وتقييد الحراك العام، جعلت العمل النقابي الميداني شبه مستحيل، بل محفوفًا بالمخاطر. وحتى القنوات الدبلوماسية التقليدية—من مراسلات رسمية واجتماعات بروتوكولية—لم تُسفر عن نتائج ملموسة. على العكس، لوحظ تصاعد في قرارات إدارية قاسية، تمسّ الموظفين واللاجئين على حد سواء، ما يعكس خللًا بنيويًا في منظومة المساءلة داخل الوكالة.
أزمة أدوات أم أزمة شرعية؟
المشكلة لم تعد مقتصرة على قرارات بعينها، بل تتعلق بنمط متكرر من الإدارة، يُظهر فجوة متزايدة بين تفويض الأونروا الإنساني، والممارسات الإدارية الفعلية. فعندما تُتخذ قرارات تمسّ الأجور، أو الاستقرار الوظيفي، أو تُعاقَب ظروف قاهرة كالنزوح القسري، دون تشاور فعّال أو ضمانات قانونية، فإن المسألة تتحول من نقاش إداري إلى سؤال شرعية.
الأخطر أن غياب ردع حقيقي—قانوني أو سياسي—شجّع الإدارة على المضي قدمًا في سياسات لا إنسانية، مستندة إلى واقع مفاده أن الموظفين عاجزون عن الاعتراض، وأن المجتمع الدولي منشغل بأزمات أكبر.
من الاحتجاج إلى المساءلة الذكية
في ظل هذا الانسداد، يصبح السؤال الحقيقي ليس “كيف نحتج؟” بل “أين نضغط؟”.
والإجابة تكمن في نقل ساحة المواجهة من الميدان إلى منظومة الشرعية الدولية.
إدارة الأونروا، بوصفها جزءًا من منظومة الأمم المتحدة، ليست فوق المساءلة. قراراتها تخضع لمبادئ القانون الإداري الدولي، ومعايير العمل الدولية، والالتزامات الخاصة بحماية العاملين في مناطق النزاع. وهذا ي فتح الباب أمام مسار مختلف، يقوم على:
توثيق منهجي للقرارات التعسفية
ربطها بنصوص قانونية ومعايير أممية واضحة
عرضها كقضية مؤسسية تمسّ مصداقية الأمم المتحدة، لا كخلاف داخلي محدود
هذا النوع من الضغط لا يحتاج مظاهرات، لكنه يحتاج دقة، وصبرًا، وتحالفات مدروسة.
كسر المعادلة الزائفة: حماية الأونروا ≠ حماية إدارتها
لطالما استُخدم الخوف على مستقبل الأونروا كوسيلة لإسكات النقد الداخلي. لكن هذه معادلة مضللة. فالدفاع عن حقوق الموظفين ليس تهديدًا للوكالة، بل شرطًا لبقائها. والسكوت عن الانتهاكات، بحجة “عدم إضعاف الأونروا”، يساهم فعليًا في تفريغ تفويضها من مضمونه، وتحويلها إلى هيكل إداري هش، سهل الاستهداف.
إن الفصل الواعي بين الوكالة كتفويض أممي، وإدارتها كجهاز بشري قابل للخطأ، هو الخطوة الأولى لاستعادة التوازن المؤسسي.
ضغط دولي هادئ… لكنه مؤلم
في غياب القدرة على التحرك محليًا، يصبح بناء تحالفات خارج الجغرافيا أمرًا حاسمًا. أكاديميون، خبراء قانون دولي، نقابات عمالية عالمية، موظفون أمميون سابقون، وبرلمانيون في دول مانحة—هؤلاء يشكّلون شبكة ضغط غير صاخبة، لكنها فعّالة.
فعندما تُطرح قضية الأونروا بوصفها نموذجًا لفشل المساءلة داخل مؤسسة أممية، تبدأ الأسئلة الحرجة بالظهور: من يراقب؟ من يُحاسب؟ ومن يدفع الثمن؟
ما الذي يمكن أن يتغير؟
قد لا تؤدي هذه المقاربة إلى نتائج فورية، لكنها:
ترفع كلفة القرارات التعسفية
تُعيد ضبط سلوك الإدارة
تمنح الموظفين أداة دفاع غير تقليدية
وتحمي الأونروا من الانهيار الصامت
أما البديل—وهو الاستمرار في الصمت—فسيقود، على الأرجح، إلى تآكل تدريجي للحقوق، وتراجع الخدمات، ثم التشكيك في جدوى الوكالة نفسها.
خاتمة
حين تُغلق ساحات الاحتجاج، لا يعني ذلك نهاية المعركة، بل انتقالها إلى مستوى أكثر تعقيدًا. وما يواجهه موظفو الأونروا اليوم ليس مجرد أزمة وظيفية، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الدولية على الالتزام بقيمها المعلنة.
إن مساءلة إدارة الأونروا ليست عملًا عدائيًا، بل محاولة أخيرة لإنقاذ الوكالة من نفسها، وحماية ما تبقى من معناها الإنساني، في لحظة تاريخية لم يعد فيها الخطأ الإداري ترفًا، بل خطرًا وجوديًا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
