لم ننس _ بعد _ انه من أجل تسويق أوسلو، تمت إشاعة أحلام لمداعبة أخيلة الفلسطينيين المرهقة من طول سنوات القهر الاحتلالي، بأن الاتفاق سيجعل من غزة سنغافورة الشرق الأوسط، أما لماذا تم استحضار سنغافورة بالحصر والتحديد، فذلك للإشارة إلى صغر مساحتها، كما هو حال قطاع غزة، والى المستوى الاقتصادي المتقدم فيها، نتيجة الاستقرار، واتباع سياسات اقتصادية حديثة.

ورغم أن اللحظة الآن مختلفة، فبعد مؤتمر مدريد، الذي جاء بعد الانتفاضة الأولى، وبعد حرب الخليج الأولى، أيضا، كانت معنويات وتوقعات الفلسطينيين، خاصة في الأراضي المحتلة، الضفة الغربية و القدس وقطاع غزة، عالية، أما الآن، فان غزة مرهقة بعد 8 سنوات حصار، وثلاث حروب طاحنة، لذا فان كلا من إسرائيل و" حماس "، تظنان بأن مليوناً ونصف المليون سيقبلون أي شيء، مقابل الوعد بكسر الحصار، وتوفير الكهرباء على مدار الساعة.
رغم ذلك، فانه يمكن القول، بأن بنيامين نتنياهو قد اقترب كثيرا، في ولايته الرابعة من تحقيق ما حلم به قبل ست سنوات، حين روج، بعد تكليفه بتشكيل حكومته الثانية عام 2009 ، لاقتراح الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، والتي تدار من قبل أكثر من دولة، وتكون دولة وليست دولة، حتى وصل به الأمر إلى تسميه " أندورا "، تلك الأمارة الكاتالونية، التي تبلغ مساحتها نحو 468 كيلو مترا مربعا، أي أكثر قليلا من قطاع غزة، في حين أن عدد سكانها اقل من مئة ألف نسمة، لكنها، ذات دخل مرتفع بسبب السياحة، حيث يزورها نحو 10 ملايين شخص سنوياً، وهي تتمتع بحكم ذاتي، لكنها محمية خارجياً من كل من فرنسا واسبانيا!
ليس بالضرورة أن تعتمد غزة، بعد أن تصبح محمية إسرائيلية / تركية على السياحة، بل ربما على كونها محطة تصدير للغاز من المنطقة لأوروبا، وربما "يخترعون" لها شيئا آخر، من مثل أن تتحول إلى منطقة تبييض أموال أو تهريب أسلحة، أو حتى تصدير مقاتلين مرتزقة لكل أنحاء الدنيا، خاصة لمنطقة يراد لها أن تواصل الاقتتال الداخلي خمسين سنة أخرى !
أما عن مآل الصفقة فيبدو أن كلا من تركيا وإسرائيل تنتظران القرار النهائي من "حماس"، لذا فان وفد الحركة من غزة ينتظر موافقة مصرية ليذهب إلى قطر، فيجتمع "شمل الحركة" وتتخذ قرارها النهائي، بعد أن التقى ممثلوها "الجهاد الإسلامي" ووقفوا عند حدود موقفه من صفقة، كل التقديرات تشير إلى أنها باتت جاهزة !
مع ذلك، أي مع أن حزمة الصفقة العامة باتت جاهزة، إلا أن التفاصيل ليست كذلك، وهي ربما تحتاج إلى مباحثات إضافية، كذلك فان الأمر يترافق مع أسئلة وجيهة وعديدة، منها، هل حقا أن اتفاق الهدنة مقابل الممر المائي من غزة لقبرص، سيضع حدا للحصار، أو على الأقل لمعاناة أهل غزة، لا يمكن الإجابة بنعم، إلا لمن أرهقه الحصار ويتعلق بحبال الهواء، ففي عام 2009 تفتق ذهن سعيد صيام على حل الأنفاق لمواجهة إغلاق المعابر التجارية مع إسرائيل، فتوفرت السلع المصرية، ولكن إلى حين، وكان من شأن ذلك أن أثرى 400 مليونير حمساوي من اقتصاد الأنفاق، فهل يتكرر الأمر ويتحول الممر المائي إلى عامل إثراء لقادة "حماس"، بحيث يثري آخرون على حساب مزيد من الإفقار لشعب غزة ؟!
السؤال الآخر، هو لم يقتصر الأمر على ممر مائي فقط، لم لا يتم التفكير بممر جوي أيضا، مواز للممر المائي، وهل يمكن أن تكرس هذه الصفقة ارتباط غزة بإسرائيل وتركيا، التي ستكون سعيدة جدا بضم " لواء " جنوب الشاطئ الشرقي للمتوسط، كما هو حال لواء الأسكندرونة في شماله، على حساب الأرض العربية.
والمهم، وفق أية صيغة قانونية سيتم تظهير الصفقة، حتى لا تبدو كما سايكس / بيكو، بين تل أبيب وأنقرة، فمعروف أن "حماس" ليست لها صفة تمثيلية ولا شرعية فلسطينية، فلا هي "م ت ف" ولا هي السلطة المنتخبة والحاكمة، خاصة بعد موافقتها على حكومة التوافق قبل أكثر من عام، ستغامر بإجراء استفتاء شعبي في غزة، لتمرير الصفقة، أم أن الأمر سيعتبر مؤقتاً، وأمراً واقعاً، في انتظار سقوط السلطة في الضفة الغربية لأي سبب، حيث يمكن حينها لـ "حماس" في غزة، أن تذهب لإجراء انتخابات انقسامية، ينجم عنها إقامة حكومة انفصالية ؟ !
اغلب الظن بان الاتفاق في حال استكماله سيكون _ رسميا، بين تركيا وإسرائيل، وفي ذيله توقع "حماس" وأية فصائل، يقال عنها مقاومة في غزة، على اعتبار أن الاتفاق أمني، مع أن أبعاده السياسية لا تخفى على احد، أو حتى يتم الاكتفاء بتفاهمات شفاهية، حتى لا يضمن أحد لأحد _ خاصة للفلسطينيين _ أي حق يذكر.
وربما من أجل تمرير الصفقة، وفي حال مواجهة رفض شعبي مهم، خاصة في قطاع غزة، وحتى من بعض أوساط "حماس"، ذلك أن الصفقة تتجاهل قطر، حيث تقيم قيادة "حماس"، كذلك تعزز دور تركيا وتحالفها مع إسرائيل، بما يتجاهل محاور إقليمية، منها محور إيران، ومحور مصر / السعودية، وهذا على ما يبدو، ما هي "حماس" بحاجة " لموازنته " في اجتماع جماعي لقيادتها في الخارج والداخل، نقول ربما يحتاج شركاء وعرّابو الصفقة إلى "التوافق" على حرب جديدة على غزة، لتلميع "حماس" وإطلاق التعاطف معها، بما يمكنها من تمرير مثل هذه الصفقة.
Rajab22@hotmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد