من منّا يتذكّر الرباعية الدوليّة التي تأسّست العام 2002 من الأمم المتحدة وأميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا، ومن منّا يتذكّر الفترة التي ترأس بها رئيس الحكومة البريطانيّة الأسبق توني بلير لهذه الرباعية، بعد إجباره من قِبل حكومة العمال البريطانيّة على الاستقالة من منصبه كرئيسٍ للوزراء بسبب التحاقه بالولايات المتحدة في غزو العراق، حينها، عوّض الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الثاني خسارة بلير لمنصبه من خلال تعيينه مبعوثا للرباعية الدوليّة بعد استقالة مبعوثين سابقين، وتم تعيينه فعلاً رغم اعتراض موسكو، نجح بلير أثناء توليه منصبه الجديد في ابتداع سياسة ما يُسمى الحل الاقتصادي لملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بديلاً عن الحل السياسي آخذا بالاعتبار أنّ القضية الفلسطينيّة مسألة إنسانيّة وليست سياسيّة بالدرجة الأولى، بلير هذا وأثناء توليه هذا المنصب عارض بشدّة الجهود الفلسطينيّة للانضمام إلى الأمم المتحدة كما حضّ حكومة المحافظين فيما بعد على أن تشترط بريطانيا تأييد المساعي الفلسطينيّة للانضمام إلى الأمم المتحدة بضمانات وتعهدات دولية لإسرائيل تنال من الحقوق الفلسطينيّة خاصة على ملفي حق العودة وقيام دولة فلسطينيّة على كامل الأرض المحتلة العام 67، وفي كل أنشطة بلير السياسيّة أثناء رئاسته للرباعية الدوليّة، لم يشر لا من قريب أو من بعيد إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي هو المشكلة التي ينبغي حلها من أجل التوصّل إلى حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينيّة.


استغرب الصحافي روبرت فيسك في مقالٍ له في صحيفة «اندبندنت» معلقا على استقالة بلير قائلاً: إنّ تعيين هذا الأخير مبعوثا للرباعية الدوليّة يعتبر إهانة معلنة للمنظومة الدوليّة والمنظومة العربيّة على وجه الخصوص بعد دوره في غزو العراق، متسائلاً: كيف يمكن لمجرم حرب أن يصبح مبعوثا للسلام، وهل يمكن له أن يغسل يديه من دماء العراقيين ويظهر في القدس المحتلة فيما بعد ما سماه الحملة غير الشرعية لنزع الشرعية عن الاحتلال الإسرائيلي.  


يُقال: إن بلير استقال نتيجة لإحباطه وفشله الذريع في التوصّل إلى حل الملف الفلسطيني – الإسرائيلي الشائك والمعقّد، مع ذلك نعتقد أنه كان الرجل المناسب فعلاً لكي يكون مبعوثا لهذه الرباعية التي لم تهدف سوى إلى عرقة الجهود الدوليّة والعربيّة والفلسطينيّة الجادّة للضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال، من خلال التسويف والحلول الاقتصاديّة والإنسانيّة وعملية إلهاء عن بحث جدّي لإنهاء الصراع من خلال إزالة الاحتلال وقيام دولة فلسطينيّة على الأراضي المحتلة.  


لم يشر توني بلير في استقالته كمبعوثٍ للرباعية الدوليّة إلى الأسباب الحقيقيّة وراء قراره بالاستقالة، على عكس سابقيه الأول جيمس وولفنسون المبعوث الأوّل للرباعية الذي علّل استقالته بسبب قرار الدول المانحة بوقف المساعدات عن الفلسطينيين بعد فوز « حماس » في الانتخابات التشريعيّة، أمّا المبعوث الثاني الفارو دي سوتو فقد قدّم استقالته بسبب رفض إسرائيل الانصياع للقرارات الدوليّة ولكون الرباعيّة اكتفت بالبقاء كشاهدٍ على الاحتلال.  


بعد ثماني سنوات قضاها بلير في منصبه كمبعوثٍ للرباعية الدوليّة، يستقيل ليعمل في مجال الأبحاث السياسيّة وليؤسّس «مؤسّسة توني بلير للتغيير العالمي» مقدما نصائح استشاريّة لملوك وأمراء الخليج العربي على نحوٍ خاص. وفي سياق استعادتنا لهذه الشخصية فإنّه أعلن عن دوره النشط والأساسي والسري في التقارب بين إسرائيل وممالك الخليج العربي وذلك خلال لقاءاتٍ سريّة عقدها بين يتسحاق مولخو، المبعوث السابق لنتنياهو والحكومة الإماراتيّة بشكلٍ خاص، جرت في أبو ظبي ولندن ونيقوسيا كما صرّح لوسائل الإعلام الإسرائيليّة بأنّه صاحب هذه المبادرة التي أدّت إلى تطبيع دول خليجيّة عربيّة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.  


إنّ استعادتنا لرباعية بلير الدوليّة، ليس فقط لنفض الغبار عن هذا الملف المشين، ولكن لأنّ هناك دعوات لإعادة ضخ الدم إلى هذه الرباعية من جديد، خاصة بعد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة قبل أيامٍ قليلة لعقد اجتماعاتها على ضوء أحاديث مستجدّة عن جهودٍ دوليّة وإقليميّة وعربيّة وفلسطينيّة أيضا لإحياء العملية التفاوضيّة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد