يثير موضوع الانتخابات في الأرض الفلسطينية المحتلة جدلاً واسعاً في أوساط الأحزاب السياسية وبنى المجتمع الفلسطيني المختلفة بين مؤيد ومعارض لإجرائها تحت وطأة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يجري على قدم وساق. ففي غزة تتواصل الإبادة الجماعية رغم وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر من عام 2025، وفي الضفة الغربية تتواصل الإبادة وإن بأشكال مختلفة قليلاً عما هو الحال في قطاع غزة.

وترافقت الإبادة الجماعية مع جهد سياسي محموم للالتفاف على وحدة الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة الجغرافية والسياسية والقضاء على أي منجزات على هذا الصعيد، بل ولقطع الطريق على الجهود العالمية المتنامية للاعتراف بالدولة الفلسطيني وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه، رغم تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على حق تقرير المصير، كما هو حال الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

ومن الغريب أن الإبادة تستمر، ومحاولات استلاب الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، ولاسيما حقه في تقرير مصيره بنفسه، ويستمر معها انقسام الفلسطينيين وهو انقسام لا يقتصر على العلاقات البينية بين الأحزاب الفلسطينية، بل وحتى داخل الحزب الواحد، ولم ينجح شلال الدم المتدفق والمعاناة الإنسانية الرهيبة في دفع قيادات العمل السياسي، سواء الحزبية أو في أعلى هرم السلطة، إلى التحرك وتجاوز الخلافات نحو التركيز على المشتركات وفي مقدمتها إنهاء معاناة شعبنا، ووقف إبادته وتمكينه من البقاء والصمود على أرضه، حتى حركة فتح نفسها واصلت التشظي ولم تنجح في إعادة توحيد صفوفها.

وثار جدل واسع بعد أن تقرر تنظيم الانتخابات العامة للمجلس التشريعي بتاريخ 28 نوفمبر 2026، وفقاً لأحكام القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته لعام 2026، حيث بدأنا نسمع خطاباً وطنياً يؤكد على أهمية الوحدة قبل الانتخابات، أو السعي لخلق كتلة وطنية (أو تاريخية) بمفهوم غرامشي، وكلها أصوات وطنية محقة تستحضر المخاطر التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وتسعى لجعل الانتخابات خطوة تالية تؤمن استقرار النظام السياسي، وتضمن احترام نتائجها والعمل بها.

ولكننا اليوم وأمام خطة ترامب الذي منح نفسه حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، بل ومنح لنفسه حق اختيار الأفراد الذي يتولون الإدارات المختلفة، في تهميش تام لممثلي الشعب الفلسطيني سواء في منظمة التحرير أو السلطة الوطنية الفلسطينية، ولم يكلف نفسه حتى استفتاء الشعب نفسه إذا شعر بأن لا يوجد من يمثل الفلسطينيين، رغم اعتراف الغالبية الساحقة من دول العالم بتمثيل منظمة التحرير وبدولة فلسطيني.

وعليه وأما فشل ألاف المحاولات للمصالحة وتعطيلها رغم الاتفاقات والتوافقات المعلنة والتي كان أخرها اتفاق العاصمة الصينية، أو ما عرف بإعلان بكين، الذي وقعه 14 فصيلاً فلسطينياً (بما فيها حركتا فتح و حماس ) في العاصمة الصينية بكين يوم 23 يوليو 2024، بهدف إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني المستمر منذ عام 2007.

وعليه وفي ظل حالة التيه السياسي الفلسطيني، وانعدام السبل لتحقيق كتلة تاريخية أو وحدة وطنية تتجنب الخلافات وتركز على المشتركات، التي يأتي الحق في تقرير المصير ونيل الحرية والاستقلال في جوهرها، فإنني اعتقد جازماً أن المضي قدماً في إجراء الانتخابات يتجاوز قيمة الانتخابات نفسها كوسيلة ديمقراطية لتمكين الشعب من المشاركة السياسية واختيار ممثلية، لوكنه محاولة جادة لقطع الطريق على محاولات حرمان الشعب الفلسطيني من انتزاع حقه في تقرير مصيره، وحقه في اختيار ممثلية بل وحقه في اختيار شكل الحكم في فلسطين.

عليه أدعو الفرقاء كافة إلى التفكير في الانتخابات من هذه الزاوية، زاوية واقع الأحزاب والضرورة الملحة سياسياً، ليختر الشعب من يمثله ولنرفض كل تمثيل يفرض على شعبنا من أعدائه، وكما يعلم الجميع الحياة وليس السياسة فقط لا تقبل الفراغ.

انتهى

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد