لا يمكن أن يفوت المرء منظر الطائرات المدنية التي تطير في سماء رام الله خلال صعودها من مطار اللد أو خلال هبوطها نحو مدرج المطار. بات منظر تلك الطائرات أمراً مألوفاً خاصة إلى جهة الغرب. وهذه ليست طائرات إسرائيلية بل هي طائرات أجنبية ومملوكة لشركات طيران خارجية، ما يشكل انتهاكاً للسيادة الفلسطينية ومشاركة في احتلال الفضاء الفلسطيني. بمعنى أن تلك الشركات التي تسمح لطائراتها باستخدام المجال الجوي لدولة فلسطين إنما تشارك في احتلال هذا المجال وبالتالي فهي لا تساعد إسرائيل في عملية الاحتلال بل تقوم بها بالشراكة معها، ما يستدعي تدخلاً مباشراً وعاجلاً ليس من المجتمع الدولي بل من السلطة الفلسطينية وأجهزتها من أجل وفق هذا الانتهاك.
ما يحدث أن استخدام المجال الجوي الفلسطيني لا يتم بموافقة فلسطينية بل بقرار وتوجيهات إسرائيلية. هذا التوجيه يأتي ضمن فرض دولة الاحتلال وبسطها لسيادتها على مناطق الضفة الغربية. وبنفس القدر الذي يجوب فيه المستوطنون قرى وبلدات الضفة الغربية ويقتلون ويحرقون ويقتلعون الأشجار ويسرقون الماشية، وبنفس القدر الذي تصادر فيه قوات الاحتلال الأرض وتعيث فساداً فيها وتقيم الحواجز وتمنع المواطنين من التنقل، يتم تعزيز السيادة الإسرائيلية على المجال الجوي الفلسطيني من خلال استخدامه في عمليات النقل والسفر الجوي إلى مطار اللد والسماح للطائرات باستخدامه بشكل فاضح في وصولها ومغادرتها للمطار. بالطبع، فإن احتلال المجال الجوي الفلسطيني ليس أمراً جديداً، فمنذ اليوم الأول لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، تم احتلال هذا المجال ضمن عملية الاحتلال الشاملة التي نتجت عن هزيمة حزيران، وكان هذا المجال دائماً مستباحاً من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي وربما الطيران المدني. إسرائيل عملت طوال سنوات احتلالها لفلسطين على مصادرة كل شيء وليس فقط الأرض بل ما في جوف الأرض من ثروات طبيعية أو لقى وموجودات أثرية، كما ما فوق الأرض من جبال وتلال ووديان وما في سماء البلاد. استباحت كل شيء أمام عجز المجتمع الدولي عن فرض القانون وإعادة الهيبة للسلم العالمي الذي ما زال الاحتلال الإسرائيلي يشكل أكبر تهديد له، وما يجري في غزة ليس إلا استمراراً لكل هذا.
كل هذا يبدو صحيحاً، واستباحة دولة الاحتلال للمجال الجوي الفلسطيني ليس جديداً، إذا إن الهيمنة الجوية كانت دائماً سر التفوق العسكري الإسرائيلي، وطالما تم استخدام هدا التفوق في قتل الفلسطينيين وتعزيز الاحتلال ودعم وإسناد عمليات القتل التي تقوم بها القوات البرية. حتى خلال حصار قطاع غزة في السنوات الماضية كان يتم استخدام الطائرات الزنانة والبلونات الطائرة وأبراج المراقبة المزودة بكاميرات حساسة في فرض حصار هو الأبشع في التاريخ. لقد كان استخدام المجال الجوي والهيمنة على الأفق الفلسطيني الأداة الأكثر فعالية في الاحتلال الديجتال الذي مارسته إسرائيل لخنق غزة قبل حرب الإبادة الجارية.  
لكن لم يتم السماح والترخيص للطائرات المدنية الأجنبية باستخدام المجال الجوي الفلسطيني في عمليات خروجها ودخولها للمجال الجوي لدولة الاحتلال. على الأقل لم يكن من الممكن مشاهدة الطائرات الأجنبية بشكل واضح في سماء رام الله والقرى المحيطة بها بمثل هذا الوضوح. يمكن للمرء أن ينظر للسماء فيرى بسهولة مرور الطائرات بشكل لا يتوقف في السماء وفي لحظات معينة، لا تكاد يمر ربع ساعة دون أن يرى طائرة تعبر فوق رأسه. لقد عشت في الضفة الغربية في فترات متقطعة ومتباعدة بدأت في بدايات تسعينيات القرن الماضي وصولاً لمكوثي خلال عملي الأخير لخمس سنوات بعد انقطاع طويل ولم أرَ الطائرات الأجنبية تنتهك سماء الضفة الغربية بمثل هذه الكثافة. أتذكر قبل سنوات أنني بدأت ألاحظ وجود طيران مدني في السماء غرب رام الله. كنت أنظر من شرفة شقتي في الطيرة غرباً فأرى بعض الطائرات في الأفق البعيد، وكنت أقول لنفسي، إنها فوق قرى شمال غربي رام الله، ومع ذلك لم أكن أتبين منها شيئاً إلا أنها طائرة مدنية. خلال زيارتي الأخيرة هذه الأيام، صرت أستطيع أن أعرف الشركة التي تتبع لها الطائرة إذ باتت تحلق على ارتفاع منخفض. بل إنني حين التقطت صورة «سلفي»، يوم أمس، في أبو شخيدم غرب بيرزيت، ظهرت الطائرة في الصورة. كنت أمازح صديقي قبل يومين، فقلت ربما نشاهد وجه الطيار لشدة قربها. لم تعد الطائرات تحلق غرباً بل صارت تحلق فوق رؤوسنا.
المحقق أن هذا التحول في مسار الطائرات المدنية لم يتم إلا وفق سياسة إسرائيلية جديدة لتحويل هذا المجال بشكل كامل لمجال جوي إسرائيلي، والمحقق أن الشركات التي توافق على تسيير طائراتها فوق المجال الجوي الفلسطيني تنتهك القانون الدولي وتشارك في احتلال هذا المجال وفي تعزيز السيادة الإسرائيلية عليه، والمحقق أكثر أن السلطة الفلسطينية ودولة فلسطين يجب أن تتحركا بشكل جدي من أجل وقف هذا الانتهاك من خلال مخاطبة منظمة الطيران المدني الدولي والجهات الأخرى المعنية من أجل وقف هذا الانتهاك. ببساطة فإن دولة فسطين لا تمانع استخدام مجالها الجوي ولكن يجب أن يتم أخذ الترخيص من السلطة الفلسطينية بمعنى أن أي شركة تريد أن تستخدم هذا المجال يجب أن تأخذ الموافقة المسبقة من الجهة الفلسطينية الرسمية (هل تتذكرون مفترق الطيران في غزة والشركة الفلسطينية المعنية؟). عبر هذه الموافقات، يتم فرض السيادة على المجال الجوي الفلسطيني رغماً عن إسرائيل وتتم مقاضاة كل من يخالف ذلك من شركات، كما يتم فرض رسوم معينة وغرامات إذا اقتضى الأمر.
ببساطة، يمكن تحويل هذا الانتهاك إلى معركة لفرض السيادة وتأكيد جزء من الحق. وهذا أمر لا يمكن لدولة الاحتلال أن تنجح في إحباطه لأنه مرتبط بإرادة شركات الطيران. هذا مجال جوي لدولة فلسطين وفق القانون الدولي ومن يريد أن يستخدمه يمكنه فعل ذلك بموافقة دولة فلسطين وإذا لم يفعل فهو يساهم في احتلال البلاد، ويمكن إدراج الشركات التي تقوم بذلك ضمن قائمة المقاطعة أيضاً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد