أثارت كلمة اللواء ماجد فرج ، عضو اللجنة المركزية لـ»فتح»، التي طالب فيها « حماس » بالاعتذار للشعب الفلسطيني على الكثير من مغامراتها وشطحاتها وتلاعبها بالمصير الفلسطيني من انقلاب حزيران الأسود العام ٢٠٠٧ حتى أكتوبر ٢٠٢٣ وما تلا ذلك من مغامرات طائشة أودت بقطاع غزة ليكون وديعة لدى مجلس سلام أميركي، نقاشاً كبيراً وردة فعل من «حماس»، في محاولة لتجنب الحوار الوطني الهادئ الذي تتطلبه الكلمة. بالنسبة لكثيرين، فإن ما قاله أبو بشار يشكل ترجمة لوعي عميق بخطورة ما قامت به «حماس» طوال عشرين عاماً تحت قناع المقاومة وخوف الآخرين مما تشير إليه الكلمة من معانٍ نبيلة؛ ترجمة لمخاوف الجمهور من أن إشراك «حماس» في الانتخابات القادمة دون أي توضيح أو حوار أو تفسير واعتذار سيعني الرمي بمصير الناس في بحور المجهول كما تم في قطاع غزة. القصة ليست قصة مزايدات ولا تسجيل نقاط بقدر ما هي حاجة فعلية للبحث عن الأفضل. ليس ماجد فرج وحده وليس لأن معه كل «فتح» والكثير من الغيورين والوطنيين، قلقين على المستقبل بل أيضاً فإن المنطق يقول، إن بناء نظام سياسي حقيقي يتطلب هذه المصارحات الوطنية. المؤلم أن «حماس» ترى في الاعتذار للشعب وفي مكاشفته جريمة وعيباً كبيرين فيما يمكن الاعتذار للغرباء وللممولين من دول المحور. الاعتذار للشعب يعني أن تضحيات شعبنا التي تمت بسبب مغامرات «حماس» هي تضحيات في مكانها. ولكن كيف يفعل ذلك من يعتبر الشهداء خسائر تكتيكية؟.
وبصراحة، من المهم أن يكون لـ»فتح» موقف كهذا ينطلق من موقع المسؤولية الوطنية. «فتح» التي يجب أن تبادر لإثارة المواقف والمطالبة بها وعدم الاختباء والخوف لتجنب ضوضاء «حماس» على «السوشيال ميديا» أو في الفضائيات التي تقوم بتلميع كل ما تفعله. هذا موقف جريء لكنه فعلاً يعبر عن رأي كل أبناء «فتح». إذا كنا بحاجة لمستقبل أفضل فإن هذا المستقبل يجب أن يتأسس على علاقات وطنية صريحة. القصة ليس قصة اعتذارات، ولا أظن أن هذا جوهر خطاب أبو بشار، بل قصة نقاش وطني حقيقي يبدأ من النقطة الأساسية؛ المكاشفة الصادقة. وإذا كانت «حماس» تشعر بأن هذه المكاشفة عيب لأنها تمس مقدسها الوهمي فهذه مشكلتها. شعبنا يستحق الاعتذار، ومن يرى في ذلك عيباً فيرفع يده عن قدر ومصير هذا الشعب. 
وبنقاش هادئ، وتجاوزاً للكثير من نقاط الخلاف، هل يمكن لأحد أن يفسر لنا الطريقة التي أدارت بها «حماس» مصير أكثر من مليوني مواطن في قطاع غزة وهم يتعرضون للإبادة بشكل يومي؛ أقصد مفاوضات «حماس» العبثية والكارثية التي كانت بالنسبة لقادة «حماس» مجرد حلقات «توك شو» لاستعراض الشعارات وجعل الاستسلام الذي يجري نصراً مبيناً. ظلت «حماس» تقول، «لا»، وتتحدث من موقع المنتصر وصاحب اليد العليا، فيما تواصل إسرائيل تقتيل شعبنا وذبحه وترفض عمليات التبادل وإطلاق سراح الأسرى لديها، وكانت ثمة فرص كان يجب استغلالها لإنهاء القضية وتجنيب شعبنا الموت حتى وصل الأمر بتسليمها ما لديها مقابل لا شيء تقريباً؛ وبدلاً من تحرير الأسرى امتلأت السجون؛ وبدلاً من تحرير الأقصى وقعت غزة تحت الاحتلال؛ وبدل تحرير المعابر وفك الحصار جلبت لنا «حماس» وصاية دولية وقوات أجنبية من جهات الأرض الأربع. أليس كل هذا بحاجة لاعتذار؟. ثم وبالعودة للسابع من أكتوبر وما جرى فيه، من حق أي فلسطيني أن يقول، إن قتل الأطفال وكبار السن لا يمثلني ولا يمثل نضالي الذي أقوم به. لأن قتل الأطفال واحتجازهم يعني سقوط المرافعة الفلسطينية الأخلاقية والقانونية حول اعتقال إسرائيل للأطفال وقتلهم وكذلك كبار السن ومنحها كرتاً أبيض لمواصلة جرائمها. أليس هذا بحاجة لاعتذار؟ 
ليس من حق «حماس» أن تفعل ما تريد وتطلب من الآخرين التصفيق لها. «فتح» ليست آخرين وليست جمهوراً، وحين يتعلق الأمر بالقضية ومصير البلاد والعباد فموقف «فتح» لا تحكمه إلا المصلحة الوطنية الأعلى. كان يمكن فعل الكثير لتجنب ما جرى في السابع من أكتوبر ولتدارك النتائج الكارثية التي دفعت بها «حماس» دفعاً؛ فهي اعتادت أن تبيع الوهم واعتاد «شبيحتها» من نشطاء «السوشيال ميديا» أن يغتالوا كل من يختلف ولو بـ»فاصلة منقوطة» مع «حماس» وشطحاتها أو لمجرد التصفيق على كلمة حق مثلما حدث مع عضو اللجنة المركزية زكريا الزبيدي.  
هذا إضافة للطريقة التي حكمت فيها «حماس» الناس خلال حرب الإبادة والاستيلاء على وقتهم اليومي وسرقة المساعدات واغتيال كل من يبدي رأياً ينتقد فيه سياسات «حماس» وقادتها، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية للاختباء بينهم، وفيما تعطلت كل خدمات الجهات الحكومية في غزة فإن الشيء الوحيد الذي لم يتوقف هو السجون والاعتقال وتعذيب الناس. توقفت المدارس والخدمات الصحية ولم تقم لجنة «حماس» الحكومية ببذل أي جهد لافتتاح صف مدرسي في خيمة، فيما وبسرعة مذهلة تم تفعيل «خدمة» الاعتقال والتعذيب وترتيب أوضاع زنازين ومسالخ التحقيق. أليس هذا بحاجة لاعتذار؟
إضافة لكل ما قامت به «حماس» في غزة خلال حكمها التعسفي والقمعي لغزة الذي ملأ غزة بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وتم قمع التظاهرات والمسيرات المطالبة بالوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام بالحديد والدم. ستظل سجون «حماس» وزنازين ومسالخ تحقيق الأمن الداخلي خاصة في قصر الحاكم بقعة سوداء كبيرة في تاريخ شعبنا. كان يتم الزج بالمئات والتحقيق معهم وتعذيبهم بأبشع الطرق غير الإنسانية بسبب الهوس الأمني للمحقق أو لضابط المنطقة. كان يمكن أن تمضي أسابيع مشبوحاً بسبب بوست أو تعليق على الصورة. أما ما تعرضت له «فتح»، التي من حق ماجد فرج كأحد قادتها أن يعبر عنه، فهو فوق كل وصف خاصة في سنوات الانقلاب الأولى حيث كان يتم احتجاز قيادة الحركة في الأقاليم والمناطق والشعب والمكاتب الحركية ونشطاء الحركة في السجون والزنازين البشعة (ذات مرة تم احتجازنا في داخلي جباليا في زنزانة مغطاة أرضيتها بحصيرة لنكتشف أنها دورة مياه عربية وضعت الحصيرة فوق فوهة بلاطتها)، والشبح ساعات الصيف تحت أشعة الشمس والتعذيب والضرب ومداهمة البيوت والتنكيل بالنساء والأطفال خلال عمليات التفتيش التي تصاحب الاعتقال التعسفي. أليس كل هذا بحاجة لاعتذار؟.
أما عن أحداث الانقلاب الأسود وما جري من رمي للمواطنين من فوق أسطح البنايات وسجل جثث الشهداء وقتل المئات وجرح أكثر منهم والإساءة للرموز الوطنية واحتلال وتدمير المقار الحكومية ومكاتب «فتح» والمنظمة، ناهيك عن فكرة الانقسام السياسي وتضييع المنجزات الوطنية التي تراكمت في غزة عبر السنين، كل ذلك وحده بحاجة لأكثر من مجرد اعتذار بل محاسبة فعلية. 
الشعوب التي لا تتعلم من أخطائها تعيد إنتاج نفس الأخطاء وإن بصيغ تجميلية. إذا كنا فعلاً ذاهبين لتفعيل مؤسسات النظام السياسي واستخدام الانتخابات لتوحيد مؤسسات النظام السياسي وإعادة غزة لتكون تحت حكم فلسطيني وليس وصاية مجلس السلام؛ الوصاية التي جلبتها «حماس» وأفعالها التي يجب أن تعتذر عنها، فنحن بحاجة لمحاكمة الفترة السابقة والوقوف على ما تم اقترافه من أخطاء. ولا يمكن لكل ضوضاء «حماس» وهجوم شبيحتها ومحاولتهم لقمع الآخرين أن توقف مثل هذه الحاجة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد