كثير من الأشياء لا يمكن تفسيرها، لكن الأكثر لشدة وضوحه يتجنب السياسيون تفسيره، وبين هذا وذاك أصبحت غزة التي تكفلت بإعادة بعث المشروع الوطني مادة للشفقة، تتساءل أيا من جنود العالم سيأتون إلى أرضها وهل سيفكك الإسرائيلي قواته ويرحل أم سيبقى جاثماً بحجة الخطر الإستراتيجي الذي مثلته في السابع من أكتوبر، وبين كل هذه، يبدو أن أهلها سيكونون الأقل علاقة وتحكماً بها، فمشهد جنود أوغندا التي أقامت منذ أسبوع تمثالاً ليوني نتنياهو شقيق بنيامين نتنياهو الذي قتل في عاصمتها عنتيبي قبل أربعة عقود أثناء قيادته وحدة «سييرت متكال» لتحرير طائرة مخطوفة يثير الحرن، وهو ما كانت « حماس » والجبهة الشعبية ترفضانه وتهددان بمقاومة القوات الدولية قبل أن يصبح ذلك مطلباً تطالب «حماس» العالم بالضغط على نتنياهو لإدخال تلك القوات وهكذا تقاد السياسة لدينا.
يشغل ميلادينوف منصب المندوب السامي نصاً وهكذا تصبح غزة خاضعة كلياً لإدارة خارجية بعد سنوات طويلة من محاولات مصالحة وإبعاد السلطة عنها قبل عقدين وتكامُل الأمر مع الرغبة الإسرائيلية ببقائها خارج الغلاف الفلسطيني وهكذا تقود الحماقة أهلها مباشرة نحو أوغندا. لا يملك المراقب للمشهد الكاريكاتوري سوى أن يشفق على فلسطين والشعب الفلسطيني العاثر من مستوى إدارة الفلسطينيين لقضيتهم وشعبهم وكيف لم يتوقفوا عن أن يقولوا كلاماً كبيراً يدفع الشعب للتضحية فيما النتائج كارثية وتلك هي الحقيقة التي نحاول تغطيتها بغربال اللغة التي لم تعد تقنع من دفعوا تلك الأثمان، وهذا يؤكد خلل العقل الفصائلي الذي ما زال يعتقد أنه من الممكن للكلمات أن تغطي فداحة الواقع فالحقيقة أن غزة تحت الوصاية.
وبالمقابل، يأتي الإعلان بشكل مفاجئ عن إجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم ومراسيم يسودها الاضطراب تتغير تباعاً بعد ربط التشريعي بالوطني بالرئاسة ليستقر الأمر أخيراً على المجلس التشريعي والذي يعني بكل الظروف شكلا من أشكال السيادة فكيف يمكن فهم الوصاية والسيادة على نفس قطعة الأرض ونفس الشعب وبصرف النظر عن تساؤلات الانتخابات إن عقدت أو لم تعقد فالمؤشرات أيضاً متضاربة وأهمها هل يمكن إصدار مرسوم الانتخابات بوجود حكومة يمين لديها مشكلة مع وجود السلطة نفسها بلا ضمانات؟ وبماذا نفسر صمت سموتريتش وبن غفير؟.
بالمقابل، تتسارع الخطى الأميركية في أيامها الأخيرة كتكريس لدخول أميركي على خط الوساطة لتطبيق المرحلة الثانية للخطة الأميركية لغزة، فالحركة الأميركية وما يتم تسريبه على لسان الرئيس الأميركي من غضب في البيت الأبيض من رئيس الوزراء الإسرائيلي وتوقف ترامب عن دعمه ومكالمة كوشنر الحادة التي اتهمه فيها بوضع العصي في الدواليب التي تتبعها زيارة لتل أبيب مصطحباً معه ميلادينوف القائم على تنفيذ الخطة التي يبدو أن ترامب عازم على إنجاح المسار بعد التعثر في المسار الإيراني الذي دفعه إليه نتنياهو ليتلقى أكبر خديعة في تاريخه، وقد يكون في إنجاح خطته بغزة بعض التعويض وما تشير له الكثير من المؤشرات في الأسابيع الأخيرة إلى أن قوة دفع أميركية كبيرة تتحرك هذه المرة ومن الصعب عليها قبول الفشل، فبينما أن النجاح في ايران خارج إرادتها تبدو غزة الصغيرة في متناول اليد وفقط المعرقل هو نتنياهو، وهذا لا يشكل تحدياً كبيراً لرئيس حريص على ألا ينخدع من نتنياهو مرتين وتتركز خطة ترامب في اللجنة التي يديرها علي شعث والتي تقوم بدور الحكومة في القطاع.
لكن الانتخابات تعني اختيار الشعب لممثليه بشكل شرعي وهي تلغي أي شيء آخر، فكيف سيكون حال اللجنة في ظل منتخبين اختارهم الشعب للتو للقيام بإدارة شؤونه؟ ما بين ممثل شرعي منتخب للتو من قبل الشعب وبين عضو معين من قبل قوى خارجية؟ وهذا سؤال لا يقل ضبابية عن كل التناقضات التي ذكرت والكفيلة بإعادة استنساخ ما يكفي من التساؤلات التي تزيد من غموض المشهد، فالفلسطيني يحاول تفسير ما تطبخه القوى الكبرى التي تسلمت غزة لتعيد هندستها دون إشراك شعبها وهو الشعب، الذي ارتكب الجريمة بحق نفسه حين اختار سابقاً من أوصله لهذا النتيجة والتي يجسدها المشهد الأوغندي، فالتاريخ لا يحمي المغفلين.
تساؤلات معلقة تبحث عن إجابات بين ركام البيوت وركام الفصائل التي تتحضر للانتخابات بكل زهو وفخر بعد أن سلمت غزة كومة من الخراب في أغرب حالة انفصال سياسية عن الواقع، لكن الأسئلة وإجاباتها والحركة تقول، إن غزة تسير نحو النهايات، وبصرف النظر عن شكل النهاية والخلاف بين نتنياهو الذي يريدها على شكل بطولة بعد هبوط أسهمه وائتلافه في بورصة الانتخابات لسبعة وأربعين مقعداً وتجاوز آيزنكوت له بجدارة رئاسة الحكومة وبين ترامب الذي يريدها بهدوء دون ضجيج، فقد انتهى تصريح الإبادة، وسواء تغلبت رؤية هذا أو ذاك فنحن أمام تلك النهايات التي انتظرها الغزيون طويلاً لكن ما بعد النهايات هي الأسئلة القلقة والمحشوة بهذا القدر من التناقضات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد