في غزة.. الحرب تسرق آخر فرص النجاة لمرضى السرطان

في غزة.. الحرب تسرق آخر فرص النجاة لمرضى السرطان

في خيام النزوح المزدحمة، وبين مستشفيات أنهكتها الحرب ونقصت فيها الأدوية والأجهزة الطبية، يخوض آلاف مرضى السرطان في قطاع غزة معركة مزدوجة؛ الأولى ضد المرض الذي ينهش أجسادهم، والثانية ضد واقع صحي متداعٍ حرمهم من العلاج والرعاية اللازمة.

وبينما تتفاقم معاناة المرضى مع استمرار الحرب، تتزايد التحذيرات من كارثة إنسانية وصحية تهدد حياة الآلاف في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة علاج الأورام.

يروي عبد الرحيم الدباري، وهو أب لخمسة أطفال، رحلة معاناة طويلة بدأت مع اندلاع الحرب على قطاع غزة، حين عانى بشكل متواصل من آلام حادة في البطن وإسهال متكرر. وكان يتردد على المستشفيات بحثًا عن العلاج، إلا أن تشخيص حالته اقتصر في كل مرة على نزلة معوية، مع صرف أدوية مؤقتة دون الكشف عن السبب الحقيقي لمعاناته.

WhatsApp Image 2026-06-05 at 2.29.06 PM.jpeg
 

وبعد أشهر من الألم، خضع الدباري في مايو/أيار 2025 لتنظير للقولون، لتكشف الفحوصات لاحقًا عن وجود ورم سرطاني، حيث يقول إن الظروف الأمنية الصعبة أعاقت استكمال إجراءات التشخيص بصورة طبيعية، إذ اضطر إلى نقل العينة الطبية على نفقته الخاصة بعد تعرض المنطقة للقصف، قبل أن تُحلَّل في أحد المختبرات القريبة من مستشفى ناصر الطبي.

وأظهرت نتائج الخزعة إصابته بسرطان القولون في مرحلته الرابعة. ويؤكد أن انقطاع العلاج لأشهر طويلة، إلى جانب النزوح المتكرر وظروف المجاعة، أسهم في تدهور حالته الصحية بشكل كبير، حيث فقد جزءًا كبيرًا من وزنه وأصيب بإنهاك جسدي ونفسي شديد.

ولا تقتصر معاناة الدباري على المرض فحسب، بل تمتد إلى عجزه عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة.

كما يشير إلى أن العديد من الأدوية الضرورية لعلاجه غير متوفرة أو تفوق قدرته المادية، ما يزيد من مخاوفه بشأن مستقبله الصحي وفرص حصوله على العلاج المناسب.

وفي خيمة نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، يعيش باسل سامي أبو العنين، المصاب بسرطان الرئتين، أوضاعًا صحية وإنسانية بالغة الصعوبة بعد أن حرمته الحرب من استكمال علاجه الإشعاعي الذي كان يتلقاه بانتظام في القدس قبل اندلاعها.

ويقول أبو العنين إن حياته تغيرت بصورة جذرية؛ فبعد أن كان يعيش في منزل يوفر له بيئة صحية مستقرة ويحظى برعاية أسرته، أصبح نازحًا داخل خيمة وسط الرمال والغبار، اللذين يزيدان من معاناته الصحية اليومية.

WhatsApp Image 2026-06-05 at 2.29.05 PM (3).jpeg
 

ويشير إلى أن العلاج الإشعاعي، وهو الخيار العلاجي الأساسي لحالته، توقف منذ بداية الحرب بسبب عدم توفره في قطاع غزة، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية تدريجيًا.

وبعد نحو عام ونصف من الانقطاع، بدأ بتلقي العلاج الكيميائي، إلا أن نتائجه لم تتجاوز التخفيف المؤقت للآلام دون تحقيق تحسن ملموس.

ويعاني أبو العنين من ضيق حاد في التنفس يجبره على استخدام الأوكسجين بشكل دائم، في وقت لا يمتلك فيه أسطوانة خاصة به، ما يضطره إلى استئجارها أو استعارتها لفترات محدودة.

كما أصبح غير قادر على المشي أو بذل أي مجهود بدني، وحتى الحديث لفترات طويلة بات يشكل عبئًا على جهازه التنفسي، ويؤكد أن الآلام المتفاقمة دفعته إلى استخدام مسكنات أفيونية قوية، إلا أن فاعليتها بدأت تتراجع مع مرور الوقت، ما يتركه لساعات طويلة دون نوم أو راحة.

ويضيف أن حياته باتت محصورة داخل الخيمة، حيث يقضي أيامه في مواجهة المرض والألم بانتظار فرصة للعلاج خارج القطاع.

ورغم تواصل جهات دولية معه أكثر من مرة وطلبها تقارير طبية وتحويلات مصنفة على أنها "عاجلة جدًا"، فإن إجراءات سفره لتلقي العلاج لم تُستكمل حتى الآن.

ويناشد منظمة الصحة العالمية والجهات المعنية التدخل العاجل لتسهيل سفره، مؤكدًا أن كل يوم تأخير يعني مزيدًا من التدهور الصحي واستنزاف ما تبقى من قدرته على مقاومة المرض.

من جانبه، كشف زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة بغزة، عن تدهور غير مسبوق في أوضاع مرضى السرطان منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، نتيجة انهيار المنظومة الصحية وتوقف معظم الخدمات العلاجية المتخصصة.

وأوضح الوحيدي أن قطاع غزة سجل خلال عام 2022 نحو 2047 إصابة جديدة بالسرطان، بمعدل 93.1 حالة لكل 100 ألف نسمة، فيما كان أكثر من 10 آلاف مريض يتلقون الرعاية والمتابعة الطبية بانتظام قبل الحرب، مع تسجيل ما بين ألفي وألفين وخمسمائة إصابة جديدة سنويًا.

وأشار إلى أن عدد مرضى السرطان في القطاع ارتفع حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى نحو 12 ألفًا و500 مريض، بينهم 122 طفلًا، في وقت يعاني فيه المرضى من نقص حاد في الخدمات الطبية والأدوية المنقذة للحياة.

وبيّن أن الحرب تسببت في وفاة أكثر من ألف مريض أورام نتيجة نقص العلاج وانهيار الرعاية الصحية، إضافة إلى استشهاد 180 مريضًا جراء القصف المباشر.

كما أدى تدمير البنية الصحية إلى توقف أربعة مراكز متخصصة في علاج السرطان، هي: مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، ومستشفى غزة الأوروبي، ومركز غزة للسرطان، ومستشفى عبد العزيز الرنتيسي.

وأضاف أن الأزمة تفاقمت مع النقص الحاد في الأدوية، إذ لا يتوفر سوى 30% من الاحتياج الفعلي لأدوية العلاج الكيميائي والمسكنات التخصصية، فيما أصبح نحو 11 ألف مريض بلا علاج منتظم بعد توقف خدمات العلاج الكيميائي الوريدي والمتابعة الطبية.

وفيما يتعلق بخدمات التشخيص، أكد الوحيدي أن ثلاثة أرباع معدات التصوير الطبي دُمّرت أو خرجت عن الخدمة، ما أدى إلى تراجع فرص التشخيص المبكر ومتابعة الحالات المرضية. كما يواجه القطاع عجزًا كبيرًا في أجهزة التصوير المقطعي والأشعة السينية، إلى جانب استمرار منع إدخال أجهزة ومعدات طبية أساسية.

ولفت إلى أن نحو 90% من مرضى السرطان في شمال قطاع غزة حُرموا من تلقي الرعاية الصحية بصورة منتظمة، بينما ينتظر ما يقارب 21 ألف مريض وجريح فرصتهم للسفر للعلاج خارج القطاع، من بينهم خمسة آلاف مريض سرطان يحملون تحويلات طبية عاجلة للعلاج أو التشخيص، إضافة إلى نحو 200 حالة حرجة تحتاج إلى إجلاء فوري.

وحذر الوحيدي من أن استمرار الأزمة الصحية يهدد حياة آلاف المرضى، مؤكدًا أن الأولويات العاجلة تتمثل في تسهيل الإجلاء الطبي للحالات الحرجة، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة عاجلة، وتوفير الوقود والكهرباء للمستشفيات، وإعادة تأهيل مراكز علاج السرطان التي خرجت عن الخدمة.

وأشار إلى أن مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، وهو المستشفى الوحيد المتخصص في علاج الأورام بالقطاع قبل الحرب، توقف عن العمل منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت به ونفاد الوقود، فيما تعاني المستشفيات المتبقية من نقص حاد في الأجهزة الطبية والكوادر المتخصصة.

ويؤكد الواقع الصحي المتدهور في قطاع غزة أن مرضى السرطان لا يواجهون المرض وحده، بل يخوضون معركة يومية من أجل الوصول إلى العلاج والبقاء على قيد الحياة، وسط انهيار شبه كامل لمنظومة الرعاية الصحية واستمرار النقص الحاد في الأدوية والخدمات الطبية الأساسية.

المصدر : تقرير - عبير مراد

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد