سأظل أتذكر أول انتخابات جرت في غزة وأنا في الصف الأول الإعدادي عام 1962.
هذه الانتخابات عاصرتُ أحداثها متفرجاً، فلم أكن قد بلغت سن الانتخاب القانونية، كنتُ معجباً بدعايات المرشحين المكتوبة على جدران منازلنا القرميدية، لأنها كانت تبشرنا بقرب العودة إلى مدننا وقرانا المسلوبة، ولا سيما أن إعجابي كان كبيراً بدعاية أحد المرشحين، لأنه فصَّلَ لدعايته الانتخابية المكتوبة على الجدران قطعة حديدية مفرغة من الحروف العربية الجميلة مكتوباً فيها: «ستعودون إلى قراكم ومدنكم، مرشحكم»، وكان يرش عليها الطلاء فتظهر الحروف جميلة بعد رفع اللوح الحديدي، كان يطبع دعايته على جدران المنازل والمحال التجارية، وسأظل أذكر مرشحاً ذا شنب برتقالي غزير كان جاراً لنا بسيطاً في معلوماته، كان يستمتع بلقب المختار، كان يبتسم لنا عندما نقابله، وكنا نبتسم له وهو يردد: «اطمئنوا قضية فلسطين أصبحت في أيدٍ أمينة».
حفظنا هذه العبارة وحفظنا حركة إصبعيه وهو يبرم شنبه الغزير الأشقر وهو يردد العبارة السابقة، أصبحت هذه اللقطة تجري على ألسنتنا وتجعلنا نحرك أصابعنا على شفتنا العلوية التي لم تنبت عليها الشنبات، تقليداً لأبي سليمان طلباً للفكاهة والطرافة، فقد كنا نعرف أن هذه العبارة لم تكن من إبداعاته بل كان يحفظها ويرددها في كل مجالسه، كنا نعرف أنه لن يفوز!
هذا التاريخ أعاد لي بعض المؤلفات التي رصدت تقدم الفلسطينيين السياسي والثقافي في العصر السالف، ليس لأنني أعشق القديم لأن فيه مخزناً لذكرياتي الطفولية الجميلة، ولكنني عشقت هذا الزمن، لما فيه من أحزابٍ صغيرة يقودها مدرسونا الأكْفاء، وما فيه من عبر تاريخية وثقافية.
لا يشك أحد في أن لرؤساء الأحزاب طموحاً شخصياً يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، غير أن طغيان الشخصية الحزبية على العقيدة الوطنية المقدسة هو الكارثة التي لا يجب أن نغض الطرف عنها، لأن قضية فلسطين ليست قضية شخصية، بل هي قضية وطنية فلسطينية وعربية وعالمية مقدسة، لذا يجب أن نعيد النظر في كيفية تخفيف غلواء النظام الحزبي الفلسطيني بتقليل الطغيان الشخصي لرؤساء وقادة ومسؤولي الأحزاب في فلسطين، لتصبح الأحزاب والحركات والتنظيمات أحزاباً وحركات وطنية خالصة، تتوافق مع قضيتنا الفلسطينية المقدسة!
لم يكن تاريخنا الفلسطيني مقرراً علينا في سنوات دراستنا في تلك الحقبة، لأن مقررات الجغرافيا والتاريخ والثقافة في مناهجنا كانت فقط هي تاريخ العرب والعالم! لأجل هذا التاريخ حاولتُ أن أجد بعض الكتابات عن تاريخنا السابق وكانت الكتب التاريخية عن فلسطين نادرة بسبب تهجيرنا!
ونظراً لرغبتي في معرفة الحقائق التاريخية عن مأساة نكبتنا عثرت على كتابٍ جميل ألفه الأستاذ، محمد خالد الأزعر عام 1998، اسم الكتاب (حكومة عموم فلسطين) قدَّم لهذا الكتاب الصحافي البارز، محمد حسنين هيكل، حيث أثنى على الكتاب، قال في التقديم: «في كتاب، حكومة عموم فلسطين نحن أمام عملٍ شديد الأهمية، فكرة ورأياً وتوقيتاً، لأن ملف حكومة عموم فلسطين نصف غائب وهامشي عند كثيرين، لكن الكتاب يستعيد هذه الحكومة من بعيد ويقدمها في إطار علمي معاصر، إن تجربة حكومة عموم فلسطين قد تبدو للناظر على عجل مشهداً من الماضي، ولكن ما هو كامنٌ فيها ماثل في الحاضر»!
نعم كان الصحفي البارز هيكل يملك استشعاراً عن بعد، لما ستؤول له الأحداث، وسوف أضع في هذه السطور بعض اللقطات التي تؤشر على أن الفلسطينيين ممن حاولوا تحويل النكبة عام 1948 كانوا واعين لحجم الكارثة، ظلوا يحاولون تحويل النكبة إلى دروع مقاومة حضارية يحتاجها المهجَّرون!
مما جاء في الكتاب: «أصدرت حكومة عموم فلسطين بيانها الأول جاء فيه: قطاع غزة جزء لا يتجزأ من أرض فلسطين وشعبه جزء من الأمة العربية، يشكل الفلسطينيون في قطاع غزة اتحاداً وطنياً يضم جميع الفلسطينيين أينما وُجدوا، وهدفه العمل المشترك لاسترداد أراضي فلسطين المغتصبة، والمشاركة في تحقيق نداء القومية العربية».
اختارت حكومة عموم فلسطين، أحمد حلمي باشا رئيساً لحكومة عموم فلسطين، من عام 1948 إلى عام 1963 ثم عهدت حكومة عموم فلسطين بالمهمة إلى منظمة التحرير الفلسطينية عقب إعلان قيامها 1964، حظيت حكومة العموم باعتراف أهم الدول العربية، مصر، وسورية، والمملكة العربية السعودية، صاغت حكومة العموم مبادئها بسرعة البرق بعد النكبة بأشهر قليلة في شهر أيلول 1948، كانت المبادئ كما يأتي: «إقامة دولة عربية على كل فلسطين على أسس ديموقراطية، أقرتْ الهيئة إنشاء مجلس إدارة للهيئة العربية العليا مبني على احترام حقوق الأقليات، وضمان حرية العبادة، والوصول إلى الأماكن المقدسة، والالتزام بتطبيق الحريات والمساواة أمام القانون، وانتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور فلسطين»!
أيضاً لم أكن أعرف أن كل هذا الجهد كان بالتنسيق مع مصر، وأن جريدة «المصري» نشرت تعليقاً على تأسيس الهيئة العربية العليا يوم 23-9-1948 جاء فيه: «إن إعلان دولة فلسطين سيقوي قضية العرب في الأمم المتحدة ومجلس الأمن».
ولم أكن أعلم أن، عباس محمود العقاد الكاتب الكبير، قد أشاد بتأسيس حكومة عموم فلسطين في كتابه، «الصهيونية وقضية فلسطين»!
كذلك لم أكن أعرف أن أول اجتماعٍ للمجلس الوطني الفلسطيني عُقد في مدرسة الفلاح بقطاع غزة يوم 30-9-1948، أي بعد أربعة أشهر من إعلان قيام إسرائيل، وقد دُعي للمؤتمر مائة وواحد وخمسون عضواً، تمكن من الوصول للمؤتمر في غزة من هذا العدد سبعة وتسعون عضواً فقط، وأن رئيس المؤتمر كان المناضل والباحث والأديب، خليل السكاكيني!
أوردتُ التاريخ السابق شبه المجهول لأجيالنا الحديثة لأبثَّ الرغبة في إعادة قراءة هذا التاريخ، لنعرف أن فلسطين كانت منذ القدم رمزاً للمقاومة بمعانيها المتعددة، فليس النضال هو فقط النضال العسكري كما رسخ في أذهان كثيرين من الفلسطينيين، بل هو نضال في كل قطاعات الحياة!
أوردت التاريخ السابق تعليقاً على الذين لا يزالون يعتقدون أن النظام الحزبي الفلسطيني نظام مقدس، لا يأتيه الباطل من بين يديه، وأن ما يجري في الساحة الفلسطينية من شقاق وخلاف وكره بين الأحزاب الفلسطينية ناتج من نواتج ألفيتنا الراهنة، وأن أحزابنا الفلسطينية قبل تأسيس إسرائيل كانت نموذجاً للنقاء والإخلاص، ولم تكن كحال أحزابنا في هذا الزمن!
غير أنني وجدتُ أن عيوبنا الحزبية متأصلة في تراثنا القديم والجديد، وأن معظم أحزابنا تُصاب بالأمراض ثم تدخل العناية المركزة تمهيداً لاندثارها!
تصديقاً لهذه النظرية حاولت أن أعرف شيئاً عن حالتنا الحزبية قبل تأسيس إسرائيل، سأظل مسكوناً بكتابٍ قرأته للدكتور، أحمد أمين وهو يسرد فيه حياته الشخصية، ويصف رحلته بالقطار من القاهرة إلى القدس مروراً بقطاع غزة، ورأيه في زعماء الأحزاب الفلسطينيين وزعماء الطوائف الدينية ممن التقى بهم في ذلك التاريخ المتقدم، وصف زيارته للقدس والخليل و بيت لحم قبل تأسيس إسرائيل بثماني عشرة سنة في كتابه (حياتي) جاء في الكتاب السطور الآتية: «وصلنا القدس في شهر ديسمبر 1930م استقبلنا بعض علمائها وأدبائها، وعلى رأسهم المرحوم، إسعاف بك النشاشيبي وقد بالغ في إكرامنا، والتقينا بالأستاذ السيد الحسيني مفتي فلسطين، كان منظره يوحي بقوة إرادة وتصميم وعزم ونفس لا تهدأ، وأنتهز الفرصة فأجتمع برؤساء بعض الأحزاب في فلسطين، فأستمع إلى أحاديثهم، وأعرف كيف (يتنازعون) على المصالح الشخصية لا على المبادئ العامة، فأرثي لحالهم وأتوقع من ذلك الشر لبلادهم! ونزور بيت لحم، ونرى كيف تتنازع الطوائف المسيحية المختلفة على الأمكنة الدينية، فأعجب بسماحة الإسلام واعتباره بأن الأرض كلها مصلى. (صفحة 170 من كتاب «حياتي» للأديب والمفكر، أحمد أمين)
نعم كانت عبارة المفكر، أحمد أمين عن رؤساء الأحزاب الفلسطينيين عام 1930 صادقة، (يتنازعون على المصالح الشخصية، أتوقع الشر لبلادهم)!
سأظل أتذكر حديثا مروياً عن رسول الله إكمالاً لهذه المرض الحزبي، يقول الرسول الكريم: «كان النبيُ إذا (حَزَبَهُ) أمرٌ صَلَّى»! أستعيد هذا الحديث عندما تأتي سيرة أحزاب فلسطين! إن كلمة (حَزَبَه) في الحديث تعني أصابه همٌّ أو مرضٌ، فهل أصبحت أكثرُ أحزابنا همَّا ومرضاً يجب أن نُصلي ونتمنى ونرجو وندعو أن يَشفَى الفلسطينيون منه؟!
أما الحزب باللغة الإنجليزية في الدول المتقدمة فهو بارتي، (Party) كما ورد في قاموس، كمبردج الرقمي، إليكم معاني بارتي في هذا القاموس: «هو احتفالٌ اجتماعيٌ لمجموعة من الناس لبث الفرح والسرور في النفوس، حيث يتبادلون الكلمات ويتناولون الطعام والشراب، يغنون ويرقصون احتفالاً بمناسبة سعيدة، مثل أعياد الميلاد أو الوداع أو اللقاء! ومن معاني بارتي أيضاً: «كل تجمع للناس ممن يتقاسمون الأفكار الثقافية والسياسية، لغرض الفوز في الانتخابات»!
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
