أربعة وثمانون يوماً انقضت حتى الآن على بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران، واتخذت أشكالاً متعددة من القصف المكثف والمحاولات الاستخبارية لإسقاط النظام إلى الحصار البحري، ومشروع الحرية الذي تراجع عنه ترامب، في الحقيقة، وقد أصبح واضحاً أن تلك الحروب، لم تقتصر على ايران، التي كان منها سينطلق مشروع إعادة هيكلة والسيطرة على الشرق الأوسط، وبدء تحقيق إسرائيل لأهدافها التوسعية التوراتية.
لا تقل مرحلة المفاوضات صعوبة عن الحرب العسكرية الدموية، فقد صمدت ايران، وكما قاتلت في الميادين، قاتلت بذات الشراسة على جبهة الحصار والمفاوضات، وجعلت الولايات المتحدة مسؤولة عن الاضطراب الاقتصادي والسياسي الذي يسود العالم.
الحرب الجارية بشكليها الحصار والمفاوضات لا تمر هكذا دون أثمان إذ إن تكاليف الحشد العسكري الضخم، تتجاوز المليارات، التي ترهق الخزينة الأميركية، وعلى جبهة لبنان ترهق الجيش الإسرائيلي الذي يبدو انه وقع في فخ المقاومة، ولا يستطيع التقدم أو التراجع، بأمل إشعال فتنة داخلية في لبنان تعفيه من دفع أثمان إضافية، مهلة بعد أخرى، يتطوع ترامب لتقديمها عسى أن يؤدي الحصار، والتهديد بالعودة إلى استخدام القوة المفرطة لإرغام ايران على التسليم والاستسلام. لم يعد لدى ترامب أي أهداف سوى أن يمنع ايران من متابعة برنامجها النووي، في محاولة للحصول على اتفاق أفضل من ذلك الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما بما يمكنه من تبرير حربه، وإعلان الانتصار.
يدرك الرئيس ترامب، انه لا يستطيع إقناع احد بأنه حقق الانتصار حتى لو انه حظي بموافقة ايران على ما أراده بشأن البرنامج النووي. ايران ستظل بقيادتها وطموحاتها ومشاريعها، وقد تعزز نفوذها، والمنطقة، لم تعد ومن غير الممكن أن يعود أهلها إلى ما كانوا عليه قبل الحرب، فضلاً عن سقوط هيبة الولايات المتحدة، وانهيار قدرتها وقدرة إسرائيل الردعية.
احتار المحللون والمتابعون للشأن السياسي، بشأن الأسباب التي جعلت ترامب يتراجع عن توجيه ضربة لإيران، يوم الثلاثاء الماضي، بينما يدعي ترامب انه أوقف ذلك الهجوم مؤقتاً نزولاً عند طلب السعودية وقطر والإمارات.
لكن ترامب لم يجد مبرراً لتردده إزاء فقدان خيارات التعاطي مع الوضع في الخليج، فعاد إلى التهديد بأن الحرب قد تعود خلال أيام قليلة، أو إلى الأبد، المقصود بعبارة إلى الأبد، تذهب نحو تفاؤله غير المبرر إزاء إمكانية التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات، لقد نجح الإيرانيون في جرجرة الإدارة الأميركية، لأسابيع عبر شروط وصيغ متبدلة شكلاً لكنها ثابتة جوهرياً إذ تشير المعطيات، والتسريبات، إلى أن الهوة لا تزال واسعة بين الطرفين.
في أسباب تراجع ترامب عن معاودة القصف، وبالإضافة إلى تحذيرات دول الخليج التي من المتوقع أن تتعرض بنيتها الطاقوية للقصف لا بد من رؤية التحولات الداخلية في الولايات المتحدة.
الرئيس ترامب كان قد اعلن على مسامع الأميركيين انه لا يهتم كثيراً بالمعارضة الشعبية للحرب التي تجاوزت ٦٠% حسب استطلاعات رأي جرت، مؤخراً. لكنه في الواقع يكابر أن لم يكن يكذب بالنظر للحسابات، التي تتنظر حزبه ومؤيديه في الانتخابات المنتظرة أن تجري بعد أشهر قليلة.
في كل صباح، يشن الرئيس ترامب حرباً على المغردين والنشطاء، والسياسيين الذين تتزايد أعدادهم، ويتزايد تأثيرهم على الرأي العام في الاتجاه الذي يبدي معارضة صريحة وإدانة للحرب وسياسات الإدارة الأميركية.
ولعل من بين اهم الأسباب، التصويت الذي جرى، مؤخراً، في مجلس الشيوخ، وحظي بموافقة خمسين عضواً، مقابل سبعة وأربعين لجهة تقييد صلاحيات الرئيس، بشأن الحرب على ايران.
بعد خمسة أو ستة اقتراحات قدمها الديمقراطيون وفشلت في الحصول على أغلبية الكونغرس، نجح هذا الاقتراح بسبب انضمام عدد من النواب الجمهوريين للتصويت.
صحيح أن القرار حتى يصبح شرعياً فإنه يحتاج إلى تصويت مجلسي النواب والكونغرس، لكنه مؤشر مقلق للإدارة الأميركية لكونه ينطوي على انقسام في الكتلة الجمهورية، فضلاً عن انه، يُشكل محفزاً لاتساع دائرة الرفض الشعبي، ومحفزاً أيضاً لمزيد من الانقسامات.
اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يعمل ليل نهار باستخدام المال، والنفوذ، ومنصات التواصل الاجتماعي والإعلام للتأثير على الرأي العام، والمؤثرين لكنه يفشل ويفشل في تبييض صفحة إسرائيل، التي تزداد سواداً.
في العلاقة بين أميركا وإسرائيل، خلل كبير أصاب حلفاء (أميركا أولاً) إذ أخذ الجدل يتسع مشككاً بهذا الشعار، حيث بدأ الكثيرون يتحدثون عن سياسة أميركية تعطي أولوية لشعار (إسرائيل أولاً)، وخصوصاً بعد أن أدرك الكثيرون أن نتنياهو هو من أراد تلك الحرب، واخضع الإدارة الأميركية للابتزاز.
لقد ظهرت كامالا هاريس المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية في تغريدة مهمة ألقت الضوء على المخاطر التي تحيق بالمصالح والديمقراطية الأميركية حيث أوجزت وقالت، إن ما يجري يمكن اعتباره أميركا وحيدة وليس أميركا أولاً.
نعم، هكذا تسير الأمور بالنسبة لإدارة الرئيس ترامب التي تتجاوز الدستور، والمؤسسات، والرأي العام، إذ لم يبقِ في هذا العالم صديقا وحليفا للولايات المتحدة سوى إسرائيل، وكل ذلك، بمبادرة من إدارة الرئيس ترامب، بعد زيارة ترامب الفاشلة للصين، قام الرئيس الروسي بزيارتها، ليقدم نموذجاً للاختلاف بين الزيارتين، ومن هناك يعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ انه على روسيا والصين بناء نظام عالمي للحوكمة، تماماً كما اعلن بوش الأب العام ١٩٩١ قيام نظام عالمي جديد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
