مع دخول الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران يومها السادس والثلاثين، تتزايد المؤشرات في إسرائيل على أن المواجهة تتجه نحو مرحلة أطول وأكثر تعقيدا مما كان متوقعاً في بدايتها. فبينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاق تهديدات حادة تجاه طهران، تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن واشنطن وتل أبيب تستعدان فعليًا لاحتمال حرب طويلة واستنزافية في المنطقة.

في هذا السياق، كتب المحلل العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هرئيل أن ترامب بدأ يفقد ما تبقى من لياقته الدبلوماسية. ففي منشور غاضب نشره الأحد على وسائل التواصل الاجتماعي، طالب إيران ب فتح مضيق هرمز، مستخدماً لغة غير مسبوقة لرئيس أميركي.

ويرى هرئيل أن هذا الخطاب، حتى لو حاول ترامب من خلاله إظهار الحزم، لا يبدو قادراً على دفع القيادة الإيرانية إلى التراجع. فمع اقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي لطهران، تتجه واشنطن، بحسب التقديرات الإسرائيلية نحو تصعيد عسكري يشمل ضرب البنية التحتية الوطنية الإيرانية، وعلى رأسها منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء.

وتشير التقديرات في إسرائيل إلى أن تل أبيب تضغط منذ فترة على الإدارة الأميركية للسير في هذا الاتجاه، معتبرة أن ضرب قطاع الطاقة الإيراني يمكن أن يشكّل وسيلة ضغط مركزية على النظام.

بحسب هرئيل، إذا لم يحدث تحول دراماتيكي في اللحظة الأخيرة، فإن ترامب خلافاً لتوقعاته المبكرة يجد نفسه منجرفاً نحو حرب طويلة في الشرق الأوسط.
اللافت أن خطاب ترامب الأخير لم يتطرق إلى الهدف الذي طُرح في بداية الحرب، وهو إزالة مخزون اليورانيوم المخصّب من إيران، ولا إلى مطلب تغيير النظام الذي كان حاضرًا في الخطاب الأميركي في بداية المواجهة.
بدل ذلك، أصبح تركيزه الآن منصباً على إجبار إيران على فتح مضيق هرمز بعد أن استخدمت طهران إغلاقه كأداة ضغط على تجارة النفط والاقتصاد العالمي.

يرى الخبير في الشأن الإيراني راز تسيمت، من معهد دراسات الأمن القومي، أن رسالة ترامب تعكس “سوء فهم عميق لطبيعة النظام الإيراني”.
ويقول تسيمت إن من الصعب تخيّل دولة تقبل مطالب رئيس يتحدث بهذه اللغة، لأن المسألة من وجهة نظر طهران، لا تتعلق فقط بحسابات استراتيجية، بل أيضًا بالكرامة السياسية.
ويضيف أن قادة إيران يعتقدون أن قدرتهم على الصمود أمام ضرب البنية التحتية الحيوية أكبر من قدرة جيرانهم والاقتصاد العالمي على تحمّل تبعات التصعيد.

بالتوازي مع الخطاب السياسي، تتحدث تقارير إسرائيلية وأميركية عن استعدادات عسكرية واسعة في المنطقة.

بحسب مصادر مختلفة، يجري حاليًا إنشاء جسر جوي عسكري واسع عبر المحيط الأطلسي باتجاه الشرق الأوسط، تشارك فيه عشرات طائرات النقل العسكرية الثقيلة من طراز سي‑17 غلوبماستر 3، إضافة إلى طائرات التزوّد بالوقود جواً من طراز كي‑سي‑135 ستراتوتانكر، لنقل وحدات عسكرية ومعدات ثقيلة ومركبات مدرعة إلى المنطقة.

وإذا تأكدت هذه التقارير، فقد تكون هذه العملية أكبر عملية نقل عسكري جوي منذ بداية الحرب.
كما كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا بالفعل على قائمة أهداف داخل إيران، تشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية الوطنية.
وبحسب هذه التقارير، تم الانتهاء من التنسيق العملياتي بين الجيشين، بحيث يعرف كل طرف دوره في حال انهيار المفاوضات وانتهاء المهلة التي حدّدها ترامب.

في موازاة ذلك، استمد ترامب دفعة معنوية من عملية إنقاذ دراماتيكية لأحد أفراد طاقم طائرة مقاتلة أميركية من طراز إف‑15 إيجل أُسقطت فوق إيران.
العملية، التي وصفها مسؤولون أميركيون بأنها من أكثر عمليات الإنقاذ جرأة في التاريخ، شملت سيطرة قوات خاصة على موقع هبوط في منطقة زراعية، وإنزال مروحيات لإنقاذ الطيار الذي كان مختبئًا في شق جبلي بعد أن قطع مسافة تزيد على عشرة كيلومترات.
وبحسب التقارير، قدمت إسرائيل مساعدة استخباراتية وجوية خلال العملية. ويرى هرئيل أن نجاح هذه العملية قد يشجع ترامب على المجازفة بخطوات عسكرية إضافية.

يشير هرئيل إلى أن التفوق الجوي الذي حققته الولايات المتحدة وإسرائيل فوق إيران يبدو شبه كامل، إلى درجة أن إيران تجد صعوبة في الوصول إلى الطيارين الذين يقفزون بالمظلات في الحالات النادرة التي يتم فيها إسقاط طائرة.
لكن رغم ذلك، يحذر من المبالغة في هذا التفوق، مذكّراً بأن الحروب ليست منافسة رياضية يمكن إنهاؤها عندما يكون الخصم عند "صفر من النقاط".

في إسرائيل، يسود تقدير واسع بأن المفاوضات بين واشنطن وطهران قد تنهار قريباً. فبحسب مصادر إسرائيلية، فإن الحد الأقصى الذي يمكن أن تقدمه إيران لا يلبّي الحد الأدنى الذي تطالب به الولايات المتحدة.

كما تشير تقديرات إلى أن الحرس الثوري الإيراني يلعب دوراً مركزياً في عرقلة أي تقدم في المفاوضات.
وفي حال انهيار المحادثات، يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن ذلك سيفتح “نافذة فرص نادرة” لتوجيه ضربات واسعة داخل إيران.

لكن خلف هذا التصعيد يبرز احتمال آخر أكثر تعقيداً: تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. فإيران، بخلاف كثير من خصوم الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، تمتلك عمقاً جغرافياً كبيراً، وبنية عسكرية وصاروخية موزعة على مساحات واسعة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على فتح جبهات ضغط متعددة. وفي مثل هذا السيناريو، قد لا يكون الحسم العسكري السريع ممكناً، بل تتحول الحرب إلى نمط من المواجهة الممتدة شبيه بحرب الناقلات في الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث يستمر تبادل الضربات المحدودة والهجمات على البنية الاقتصادية والطاقة والملاحة البحرية، دون الوصول إلى معركة فاصلة تنهي الصراع. مثل هذا المسار قد يفرض على الولايات المتحدة وإسرائيل إدارة حرب طويلة ذات كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة، فيما تراهن طهران تقليديًا على قدرتها على الصمود واستنزاف خصومها مع مرور الوقت.

كما أن طبيعة الصراع الحالية، التي تجمع بين الضربات الجوية والضغط على الاقتصاد والطاقة والملاحة البحرية، تخلق بيئة صراع منخفض الحسم وعالي الكلفة. وفي مثل هذه الحروب لا يتحقق النصر السريع بقدر ما يتحدد المسار بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف لفترة أطول من خصمه.

المؤشرات المتراكمة خلال الأيام الأخيرة توحي بأن الحرب تقترب من مرحلة أكثر تعقيداً واستنزافاً مما كان متوقعاً في البداية.
ففي المنطق العسكري، قد تبقى الحرب ضمن نطاق الضربات الجوية لفترة، لكن أي انتقال إلى عملية برية، سواء مباشرة أو عبر وكلاء إقليميين، يمكن أن ينقل المواجهة من حرب تستمر أسابيع إلى صراع يمتد لأشهر وربما أكثر.

وبناءً على السلوك السياسي لترامب في جولات التفاوض السابقة، التي سبقها خطاب تفاؤلي مشابه لما يصدر عنه اليوم، يبدو أن سيناريو التصعيد يظل الأكثر ترجيحاً.
مع ذلك، يبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما قد يصدر من مواقف إيرانية خلال الساعات القادمة، والتي قد تحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تسوية مؤقتة أم نحو مرحلة جديدة من التصعيد العسكري.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد