ارتفاع أسعار النفط يعيد "الصخري" إلى مزاحمة "أوبك"

النفط التقليدي قلق من صعود الإنتاج الصخري

لندن/سوا/ أعلنت وكالة الطاقة الدولية، قبل أيام، أن النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية بحاجة لوصول سعر الخام لمستوى 60 دولاراً للبرميل، من أجل تسجيل زيادة كبيرة في نشاط المنتجين.

ومع اتجاه منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" للاتفاق على تثبيت الإنتاج أو خفضه، سترتفع الأسعار وفق بعض التوقعات إلى ما بين 60 و70 دولاراً للبرميل، وبالتالي سيعود النفط الصخري إلى زخمه، بعدما تكيفت عدد من الحفارات أصلاً مع سعر 40 دولارا، وفقا لما أوردته صحيفة العربي الجديد اللندنية.

وتواجه الدول المصدرة للنفط، لا سيما الخليجية، مأزقاً كبيراً بين الرغبة في تثبيت الإنتاج أو خفضه، من أجل دفع الأسعار للصعود وسد عجز الموازنات الذي أثقل الكثير من الدول، وبين القلق من عودة الحفارات الأميركية للإنتاج بشراسة بعدما عطلها هبوط الأسعار على مدار الأشهر الماضية.

وعقد كبار منتجي النفط حول العالم (بما فيهم دول الخليج الست)، أربعة لقاءات سابقة خلال الشهور الماضية من العام الجاري 2016 في العاصمة القطرية الدوحة، والعاصمة النمساوية فيينا، والجزائر، وإسطنبول في تركيا، بهدف إعادة الاستقرار لأسواق النفط الخام.

وسيعقد لقاء آخر في 30 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل في العاصمة النمساوية فيينا، لبحث خفض الإنتاج وتحديد حصص الدول المنتجة.

ولا يخفي الكثير من المسؤولين وخبراء النفط في الدول العربية قلقهم من انتعاش النفط الصخري، الذي قد يطيل أمد التقشف في أغلب الدول المنتجة للخام التقليدي، غير أن البعض يرى أن الضربات التي تلقتها شركات النفط الصخري الصغيرة والمتوسطة بسبب انهيار الأسعار خلال أكثر من عامين جعلتها محملة بالخسائر، ما يقلص فرص عودتها للسوق في الأمد القريب.


العجز المالي لدول الخليج سيصل إلى 150 مليار دولار خلال العام الحالي.
 

ويقول محمد الشطي، الخبير النفطي الكويتي، إن النفط الصخري يعتبر من أهم عوامل انهيار أسعار الخام عالمياً، وساهم في تراجع الأسعار بأكثر من 60% من قيمته منذ منتصف عام 2014.

ويوضح الشطي، خلال حديثه إلى "العربي الجديد"، أن هناك عدداً كبيراً من شركات النفط الأميركية رتبت أوضاعها وعملت بما يتناسب مع الأسعار المنخفضة، إضافة إلى قيام عدد من الشركات بالاندماج حتى تواصل عمليات الحفر والإنتاج.

ويمثل مستوى 40 دولاراً الحد الأدنى، الذي تحتاج إليه شركات الحفر الأميركية لبدء الإنتاج، إذ يتكلف إنتاج البرميل حالياً نحو 40 دولاراً، بعد تطوير التقنيات، فيما كانت التكلفة السابقة لإنتاج البرميل نحو 70 دولاراً.

ويقول الشطي إن الشركات استغلت انخفاض أسعار الحفارات، نتيجة تراجع قيمة الخام ورفعت من كفاءتها، لتظهر البيانات الأولية زيادة في إنتاج شركات النفط الصخري الأميركي بنحو 20% خلال الأشهر القليلة الماضية.

ويرى أن التوسع في زيادة إنتاج النفط الصخري، يمثل ضغطاً على دول "أوبك" بسبب الزيادة في المعروض، وبالتالي يدفع الأسعار إلى الهبوط مرة أخرى، لتواجه بذلك الدول المنتجة للنفط مصيرا غير معلوم، خاصة في ظل العجز المالي الذي تواجهه حالياً.

وكانت وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيفات الائتمانية، قد قالت في تقرير لها في وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إن الاحتياجات التمويلية لدول مجلس التعاون الخليجي، قد تزيد عن 560 مليار دولار بين عامي 2015 و2019، مشيرة إلى أن عواقب الانخفاض الحاد في أسعار النفط، واضحة التأثير على التصنيفات السيادية والحسابات الخارجية لدول الخليج.

ويضم مجلس التعاون، كلاً من السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، وسلطنة عمان، وتعتمد هذه الدول بشكل كبير على عائدات النفط في تمويل إيرادات موازناتها.

وبحسب "ستاندرد آند بورز"، فإن العجز المالي سيصل إلى 150 مليار دولار بنسبة 12.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي في دول المجلس خلال العام الحالي 2016 وحده.

ويتوقع حسن قبازرد، الخبير النفطي في الكويت، أن تنخفض أسعار النفط مجدداً لتصل إلى حوالي 37 دولاراً للبرميل خلال الأشهر المقبلة، بسبب دخول الكثير من مصافي التكرير في العالم في برامج صيانة وانخفاض الطلب على الخام في ظل وفرة المعروض، التي يساهم فيها النفط الصخري، مرجحا استمرار ضعف أسعار النفط خلال العام المقبلين، على أن تبدأ في استعادة توازنها مع مطلع عام 2019.

وكانت "أوبك" قد توصلت في الجزائر نهاية سبتمبر/أيلول الماضي إلى اتفاق على تخفيض الإنتاج إلى مستوى يتراوح بين 32.5 و33 مليون برميل يومياً، ليعد ذلك أول اتفاق للمنظمة على خفض الإنتاج منذ عام 2008، عقب انهيار السوق بسبب تخمة المعروض.

ويقول عبد المجيد عطار، المدير العام الأسبق لشركة "سونطراك" النفطية الجزائرية، إن " الجزائر التي لا تزال منتشية بنجاحها في إقناع دول أوبك بخفض الإنتاج في الاجتماع الذي احتضنته نهاية الشهر الماضي، يمكن أن ترى مجهودها يتبخر بفعل ارتفاع إنتاج النفط الصخري".

ويوضح عطار، في تصريح خاص إلى "العربي الجديد"، أن تقليص أوبك للمعروض النفطي سيرفع سعر الخام، وهو أمر سيشجع الحفارات الأميركية على رفع الإنتاج لتعويض الخسائر، التي تكبدتها مؤخراً جراء انخفاض أسعار النفط، وبالتالي ستعرف السوق تخمة في المعروض من جديد قد تدفع بالأسعار إلى النزول عن عتبة 50 دولاراً.

ويقول عبد النور بلكامل، الخبير النفطي، إن "توقعات ارتفاع المعروض تبقى قوية في ظل عدم التزام الدول بحصصها من السوق، بالإضافة إلى ظهور مؤشرات عن ارتفاع مخزون النفط الأميركي فوق التوقعات، يضاف إلى هذا عامل النفط الصخري الذي ستُغرق به الشركات الأميركية السوق للضغط أكثر على أسعار النفط".

ويضيف أن هذه المؤشرات لا تخدم الجزائر، التي قررت وضع ميزانية عام 2017 على أساس سعر مرجعي لبرميل النفط يبلغ 50 دولاراً، ما يضطرها إلى مراجعة حساباتها.

في المقابل، يرى بعض خبراء النفط في السعودية، أكبر مصدر للخام في "أوبك"، أن الضربات التي تلقتها شركات النفط الصخري الصغيرة والمتوسطة بسبب انهيار الأسعار خلال أكثر من عامين جعلتها محملة بالخسائر، ما يقلص فرص عودتها للسوق في الأمد القريب.
 

الاستثمارات العالمية في استكشاف وإنتاج النفط والغاز انخفضت أكثر من 300 مليار دولار في 2015 و2016

ويقول عثمان الخويطر، النائب السابق لرئيس شركة أرامكو النفطية السعودية، إن "النفط الصخري بطبيعته الجيولوجية محدود الإنتاج ومكلف إلى درجة لا تمكنه من منافسة البترول التقليدي الرخيص".

ويضيف "نعم من المتوقع أن يعود نشاط الحفر الصخري إلى سابق عهده تدريجياً مع تحسن الأسعار، غير أن هذه العودة ستستغرق وقتاً طويلاً، كلما زاد السعر ارتفع مستوى الإنتاج، فالنفط الصخري باق حتى ينضب، وما سيقرر مصيره هو السعر السائد في السوق النفطية"، مشيراً إلى أن التحليلات الفنية تؤكد أن الصخري بعد 20 عاماً لن يستطيع إنتاج أكثر من 10.7 ملايين برميل يومياً.

كان تقرير اقتصادي متخصص، يستند إلى بيانات صادرة عن وكالة الطاقة الدولية، قد أظهر أن الاستثمارات العالمية في استكشاف وإنتاج النفط والغاز انخفضت أكثر من 300 مليار دولار في 2015 و2016، بما يعادل الربع في هذين العامين، مشيرا إلى أن هذا التراجع لم يحدث منذ أربعين عاماً.

وأشار التقرير الصادر عن المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، الذي يتخذ من الكويت مقرا له، إلى أن أكبر انخفاض على مستوى العالم جاء في أميركا الشمالية، وهو ما ساعد الصين على تصدّر قائمة إجمالي استثمارات الطاقة، بعدما كانت الولايات المتحدة، في الصدارة على مدى السنوات الثلاث السابقة.

ويشير الخويطر إلى أن النفط الصخري نجح في الصمود أمام الأسعار المنخفضة، ولم يتوقف بالكامل، فما يزال الإنتاج يقارب ثلاثة ملايين برميل يومياً، وسبب بقائه عند هذا المستوى رغم النزول الكبير في الأسعار، هو أن المنتجين تحولوا إلى مناطق معروفة لديهم بغزارة الإنتاج، واستطاعوا أن يتعايشوا مع سعر 40 دولاراً للبرميل. 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد