غزة: مصحة نفسية داخل كرفان
غزة / حمزة أبو الطرابيش / سوا / في حي النجار شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة ، حين ترتفع درجة الحرارة داخل كرفان حديدي ، أي (البيوت الجاهزة) والذي جاء تعويضا للمدمرة منازلهم في الحرب الاسرائيلية الأخيرة على غزة صيف 2014 ، ت فتح الأم سعاد أبو خاطر خرطوم المياه وتوجهه إلى أجساد فتياتها الثلاثة المُصابات بالصرع لطرد موجات الحر عن أجسادهن؛ يتوقفن الشقيقات المريضات عن البكاء والصراخ؛ ثم تلبسهن ملابس خفيفة ودقائق ويغرقن في النوم.
هذا فصل الصيف الثاني الذي يمر على الأم أبو خاطر "49 عاما" التي ترعى بناتها المريضات أكبرهن 15 عاما وأصغرهن 12 عاما، داخل هذا الكرفان الذي يفتقد لأدنى مقومات "الحياة الإنسانية"،
تقول الأم أبو خاطر ان طائرات حربية اسرائيلية دمرت منها في 22 / 7 / 2014 ، خلال الحرب الأخيرة ، فيما تنتظر بفارغ الصبر إتمام عملية الإعمار لكي تحضى بفرصة أفضل في رعاية الفتيات المرضى.
لم يكترث أحدا لتلك السيدة المكلومة التي تعيش أقهر الظروف بصحبة الكرفان وأبناءها المرضى، وفق ما تقول، إذ في كل مرة تطالب الجهات المعنية بإيجاد حلا سريعا لإيجاد مسكن غير الكرفان الذي أفتكت من الوضع الصحي لفتياتها وأصبح الأمر أكثر سوءَ.
" تضاعفت الحالة الصحية لبناتي بعد عيشنا في الكرفان؛ فهن لا يتحملن حرارة الصيف ولا رعب الليل ولا برد الشتاء". تمسح دمعتها الجارفة ثم تكمل : " أنا وبناتي المريضات نموت عشرات المرات في اليوم".
لكن يبدو أن فتيات عائلة أبو خاطر يقتربن إلى الموت بخطى ثابتة، لعدم تلقي العلاج المناسب والمكان الأسود الذي يحيط بهن؛ والمحصلة إن استمر هذا الحال لن يتعافن من الصرع حتى لو وصلن مرحلة البلوغ.
ويرى الخبير النفسي وطبيب الأعصاب محمد أبو السبح ان حكاية الفتيات أبو خاطر لو استمرت سيفقدن فرصة الشفاء عند وصول مرحلة البلوغ" ، مؤكدا أن ظروف العيش في الكرفان كفيلة أن تصيب الشخص السليم بأحد الأمراض النفسية واقلها الاكتئاب.
اطمأنت الأم بعد إعلان انتهاء فصل الصيف؛ لكنها لم تنسّ الأمراض الجلدية التي أصابت فتياتها ووجعها وهي تعالج وتنقل كل واحدة ، إذ تذكر يوما أن نتيجة تلك الأمراض دخلت مريضتها الصغيرة في نوبات صرع على مدار أسبوع كامل وكادت أن تفقد حياتها.
وتعلم الأم أن اطمئنانها لن يدم طويلا بعد انتهاء غضب الصيف، والذي ترك بصماته على جلد الفتيات؛ فهي تهيء نفسها لشتاء مجنون قادم إليها، فهو يحمل في جعبته أكواما من الرعب وألواح من موجات البرد.
وتعلق عن فصل الشتاء داخل حياة الكرفان : " حينها أتمنى الموت لي ولأطفالي؛ فهم يرتعبن ويبردن، طوال تلك المدة أبقى بجوارهن، ولكن لا يمكنني وقف صراخهن في الليل ولا يمكنني طرد البرد عن أجسادهن".
وتقع الكرفانات في بقعة حدودية مكشوفة ، تكثر فيها الحيوانات البرية والقوارض ، بحسب ما يقول قاطنيها
وتكمل الأم أبو خاطر : " أكثر ما يرعبني في فصل الشتاء هو تتسلل الحشرات والقوارض إلى بناتي، فهن يصرخن ويدخلن في نوبات صرع حين يشاهدن تلك الحشرات أو الزواحف الصغيرة".
وتلعن سعاد تباطؤ لجنة إعمار غزة في بناء منازل غزة المدمرة، وتمني النفس أن يسرعوا في عملهم كي تنجو بأطفالها من جحيم الكرفان.
وتناشد الجميع :" نريد أن تكون قضية سكّان الكرفانات على سلم أولويات جدول إعادة إعمار قطاع غزة".
وخلال الحرب الأخيرة التي شنتها ضد قطاع غزة صيف عام 2014 ، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلية عشرات آلاف المنازل كليا وجزئيا وقدرت المنازل المدمرة كليا بـ 11 ألف وحدة سكنية.
وتعهدت الدول المانحة في مؤتمر الإعمار الذي عقد في القاهرة في اكتوبر/ تشرين الأول2014 بإعادة بناء ما دمرته قوات الاحتلال، ووعدت بتقديم مبلغ مالي قدره 5.4 مليار دولار، غير أن الكثير من هذه الأموال لم يصل، وقدر ما وصل بثلث المبلغ، ما أدى إلى عدم إكمال عملية الإعمار حتى اللحظة، خاصة في ظل العراقيل الإسرائيلية الموضوعة.
بالعودة إلى تلك المصحة النفسية أو الكرفانة، تكورن الفتيات بجانب بعضهن، وقالت إحداهن بصوت خافت : " متى راح يبنوا لنا بيتنا المدمر؟!؛ أنا وخواتي بنخاف كثير في الليل".
