هآرتس: وسائل التواصل تنقذ أردوغان رغم حربه عليها

رجب طيب اردوغان

القدس / سوا / "منذ القمع العنيف للتظاهرات في 2013، هاجم الرئيس التركي أردوغان وسائل التواصل ووصفها بالوسائل المظلمة التي تسعى للنيل من بلاده. لكن أمس كانت تلك التكنولوجيا هي ما ساعد في إخراج مؤيديه للشوارع".

هذا ما ذهب إليه المحلل الإسرائيلي "أنشيل بيبر" في مقال بصحيفة "هآرتس" تناول فيه دور وسائل التواصل الاجتماعي في حشد مؤيدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إحباط محاولة الإنقلاب عليه.

إلى نص المقال..

القاعدة الأول في الانقلاب هي ضرورة سيطرة المتآمرين بسرعة على مبنى التلفزيون الوطني لإقناع الأمة بأنهم باتوا يسيطرون على الوضع. الضباط في تركيا الذين خططوا ونفذوا محاولة الانقلاب الذي مني بالفشل الذريع، عملوا وفقا للقواعد.

 

بعد ساعتين تقريبا من البدء في السيطرة على مواقع بالعاصمة أنقرة وإسطنبول، اقتحموا استوديوهات القناة الرسمية TRT وأجبروا المذيع على بث رسائل من قبلهم، تفيد بالإطاحة بنظام "الخائن" الرئيس رجب طيب أردوغان، وأن الجيش يحكم سيطرته الآن على الحكم، وسيتم صياغة دستور جديد قريبا، هكذا أخبروا مواطني تركيا، وفي تلك اللحظات بدا أن الرئيس وصل إلى نهاية طريقه.

 

جاء توقيت محاولة الانقلاب خلال عطلة أردوغان، عندما كان موجودا بعيدا عن مركز المدينة. لكن في هذه النقطة فشل المتآمرون، ولم يستطيعوا عزل أردوغان، الذي كان في منتجع مرمريس، على ساحل بحر إيجة.

 

قبل أن يصعد على متن الطائرة الرئاسية في طريقه لإسطنبول، بث أردوغان رسالة لمؤيديه عبر الهاتف الذكي، نشرتها محطات التلفزة الخاصة، وأيضا على تويتر.

 

سارع الرئيس إلى دعوة المواطنين الأتراك للخروج للشوارع والسيطرة على الميادين والمطارات. وهذه الإستراتيجية أثبتت نفسها: خرج الآلاف من منازلهم، وواجهوا دبابات الجيش ، وضمنوا بذلك أن يجد أردوغان مكانا تحط فيه طائرته عندما يعود. في هذه المرحلة بدأت الشرطة وأجهزة الأمن التي ظلت موالية للرئيس، إلى جانب مئات المواطنين في اعتقال الجنود المتمردين.

 

تصعب معرفة مدى تأثير الرسائل التي بثها أردوغان عبر وسائل التواصل الاجتماعي على إنقاذه. كان يمكن للقوات الموالية له أن تتفوق على المتمردين بدون مساعدة من المواطنين، وربما كان المواطنون سيتدفقون على الشوارع أيضا بدون مناشدة أردوغان لهم. لكن بلا شك أثرت الرسالة على تسلسل الأحداث. هناك مفارقة كبيرة، ففي اللحظة التي انفصل فيها أردوغان عن قواعد قوته، اضطر للاستعانة بالتكنولوجيا ووسائل التواصل التي بحاول تقييدها بل وإغلاقها منذ سنوات.

 

منذ أن قمعت قوات الشرطة بعنف التظاهرات التي انطلقت ضده في ساحة تقسيم ومدن تركية أخرى في يونيو 2013، يهاجم الرئيس وسائل التواصل الاجتماعي ويصفها بوسائل مظلمة تسعى للنيل من البلاد.

 

يكره أردوغان على وجه الخصوص توتير ذا الشعبية الكبيرة في تركيا، لاسيما بين الشباب من الطبقة الوسطى الذين لا يميلون لتأييد الرئيس. قُدم مئات المواطنين للمحاكمة بعد أن نشروا تغريدات تسخر من الرئيس. في المقابل شن أردوغان حربا ضروسا ضد الصحافة المستقلة في محاولة لإسكات أي صوت مارق.

 

أُجبر عدد من المؤسسات الإخبارية على الإغلاق، وتم بيع أخرى لمقربين من أردوغان، حرصوا على تحويلها إلى مؤسسات ناطقة بلسان النظام. كذلك وجهت هجمات الرئيس ضد صحفيين بعينهم، أُسكتوا من خلال دعاوى سب وقذف، واعتقالات وأحكام بالسجن بسبب "الإضرار بأمن الدولة".

 

لكن في وقت الشدة كانت تلك التكنولوجيا ووسائل التواصل هي ما ساعدت في إخراج مؤيدي الرئيس للشوارع، وقنوات التلفزة الخاصة تلك هي التي بثت من أجله الأخبار. إلى جانب وسيلة إعلام أقدم للغاية هي مكبرات المساجد في الأحياء- أمر الرئيس الحشود للخروج للشوارع للتصدي للمتآمرين.

 

أردوغان بالطبع ليس الديكتاتور الوحيد الذي تقلقه بشدة وسائل التواصل الاجتماعي، فالنظام الإيراني قضى في 2009 على "الحركة الخضراء"، بعد أن اعتمدت التظاهرات على نظريات تزوير الانتخابات التي انتشرت على الفيسبوك، وبعدها صور المتظاهرين بعد ضربهم وإطلاق الرصاص عليهم من قبل عناصر الحرس الثوري.

 

بعد ذلك بعامين نشر على الفيسبوك وثائق داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية مع تفاصيل قضايا فساد تخص الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. حولت ترجمة مستقلة لتلك الوثائق باللغة العربية الغضب على الفساد لثورة هادرة، سرعان من انتهت بالإطاحة ببن علي.

 

ظن الرئيس المصري حسني مبارك أنه سيكون في منأى عن مصير مشابه عندما قطع كل شبكات المحمول والانترنت في الوقت الذي تزايدت فيه التظاهرات العنيفة التي اندلعت في بلاده. لكن جاء ذلك متأخرا للغاية بالنسبة له.

 

أردوغان الذي يؤمن أن الانترنت والصحافة الحرة تتبنى أجندة معادية لتركيا، رأى الآن كيف أمكن استخدامهم أيضا لإحباط عمليات المتآمرين ضده. مع ذلك من المبالغ فيه الآن توقع أن يغير تعامله مع المسألة حتى بعد إحباطه لمحاولة الانقلاب.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد