جوال

غزة تنتصر ميدانيا... لكن..علي جرادات

294-TRIAL- لم تنفع ثمان سنوات من سياسة "هدوء مقابل هدوء" لتخفيف الحصار عن قطاع غزة ، ولا لتجنيب سكانه ثلاث حروب تدمير وإبادة جماعية سابقة شنها الاحتلال في الأعوام، 2007، 2008-2009، 2012، والرابعة ما زالت مستمرة بمجازرها المتلاحقة، أفظعها مجزرة الشجاعية، بينما يواجهها الفلسطينيون ومقاومتهم الباسلة بصمود أسطوري ومفاجآت نوعية وبطولة قل نظيرها تضاف لبطولات شعب مكافح يختزن خبرة قرن من الكفاح، لم يستسلم خلاله لاختلال ميزان القوى، بل ظل يطلق مبادرات هجومية لتعديله، حتى بعد، ورغم، اختلالات " النكبة " المزلزلة و"النكسة" الفاجعة، وأيلول 1970 المؤلمة، واجتياح 1982 وإبعاد قوات الثورة الفلسطينية عن آخر حدود عربية مع فلسطين، حيث انتقل مركز ثقل المواجهة إلى داخل الوطن، وكانت البداية الانتفاضة الكبرى، 1987، التي ظن قادة الاحتلال أن بوسع جيشهم المدجج بأعتى ترسانة عسكرية وتكنولوجية في المنطقة إخماد لهيبها خلال ثلاثة أيام حسب ما وعد رابين، وزير الحرب الصهيوني، آنذاك، متجاهلين بذلك الفوارق النوعية بين الحروب مع جيوش نظامية والمواجهة مع انتفاضات شعبية أو مع قوى مقاومة مسلحة تقاتل من موقع الدفاع عن شعب يحتضنها، ويقدم أبناءه طواعية للاستشهاد في صفوفها، على اختلاف وتنوع مشاربها الفكرية والسياسية. أما لماذا؟
   ببساطة لأنه شعب تعلم خلال قرن من الصراع أن الشيء يُبْنى على مقتضاه، وأن إنكار حقوقه العادلة والمشروعة في الحرية والاستقلال والعودة هو من مقتضيات عدم اعتراف الكيان الصهيوني، (مشروعاً ونظاماً وحكومات) بالفلسطينيين كشعب، وأن رفض حكوماته المتعاقبة إنهاء احتلالها للضفة وقطاع غزة، هو من مقتضيات رفضها اعتبارهما ولاية جغرافية وقانونية واحدة، ورفض اعتبار سكانهما جزء من الشعب الفلسطيني، وأن ضم " القدس الشرقية" وسلخها عن الضفة واستيطان الأخيرة وتهويدها وفصلها عن قطاع غزة، هو من مقتضيات ثابت من ثوابت إستراتيجية صهيونية أرسى خطوطها العامة "مشروع آلون" شهور بعد احتلال هذا الجزء من أرض فلسطين، وأن موافقة حكومة الاحتلال بقيادة رابين على تضمين اتفاق أوسلو بنداً، (لم ينفذ)، يقضي بـ" فتح ممر آمن بين الضفة وغزة"، هو من مقتضيات خديعة كبرى للتخلص من غزة، وإن بمسمى"غزة وأريحا أولاً"، وإجهاض الانتفاضة الشعبية الكبرى التي حيدت قوة الاحتلال العسكرية، وتفوقت عليه سياسياً وأخلاقياً، لدرجة أن يتمنى رابين، وزير حرب العدو آنذاك، "ابتلاع البحر لغزة"، ويدعو إلى إخراج جيشه "من عش الدبابير في جباليا"، بينما أجبرت الانتفاضة الثانية، رمز التطرف الصهيوني، شارون، على فك الارتباط من طرف واحد مع غزة، عسكرياً واستيطانياً، وعلى رفض دعوات اجتياحها الشامل، بالقول: "إن من يدعونا إلى دخول غزة على غرار ما فعلنا في الضفة لا يدري عما يتحدث". ترى لماذا؟
بعد انتصار إسرائيل المبهر في حرب 1967 الخاطفة سادت خرافة "الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر". وبعد مفاجأة عبور الجيشين المصري والسوري في حرب 1973 بكى رمز الحرب الصهيوني آنذاك، دايان، وتمتم "إنه الخراب الثالث للهيكل". لكن صفقة معاهدة كامب ديفيد، 1979، بما أحدثته من اختلال في ميزان القوى، هي التي مكَّنت إسرائيل من تدمير المفاعل النووي العراقي وضم الجولان السوري، 1981، واجتياح لبنان، 1982، واحتلال عاصمته بيروت وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا بعد إبعاد قوات الثورة الفلسطينية، ناهيك عن المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الشعب اللبناني طيلة 18 عاماً حتى اندحاره بلا قيد أو شرط، بل هربه ذليلاً تحت ضربات المقاومة اللبنانية الشجاعة المقتدرة التي هزمته ثانية باعتراف قادته في تموز 2006. ماذا يعني هذا الكلام؟
مجازر الإبادة الجماعية التي ترتكب يومياً بحق فلسطينيي غزة منذ 8 تموز الجاري، ليست حرباً بين جيشين، وإخفاق جيش الاحتلال في فرض شروطه لوقف النار، هو بالمعاني كافة هزيمة مدوية، فما بالك عندما تتمكن مقاومة تدافع عن شعب أعزل محاصر من رد الصاع صاعين لبرابرة العصر الصهاينة، وتكبدهم خسائر بشرية واقتصادية ونفسية ثقيلة بمفاجآت لم يحسبوا حسابها، وتتفوق عليهم سياسياً ومعنوياً وأخلاقياً، بما يثبت، مرة أخرى، أن "جيشهم يقهر"، وأن الشعوب العربية، وأولها الشعب الفلسطيني، هي التي لا تقهر، وأن الحائل دون تحويل انتصارات مقاوماتها في الميدان في أكثر من محطة، إلى انتصارات حاسمة في السياسة، هو تعميم نهج السادات القائم على أن 99% من أوراق الحل أميركية، خاصة بعد أن كسبت الامبريالية الأميركية نتائج "الحرب الباردة" والعدوان الثلاثيني على العراق، 1991، حيث انفتحت الطريق لمشروع التسوية الأميركي القاضي بأن تفاوض إسرائيل "الأطراف" العربية كل على حدة تحت رعاية أميركية ووفق معادلة "الأرض مقابل السلام" كأساس لاستعادة الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة، لكن نحو 25 عاماً من المفاوضات لم تسفر لا عن استعادة الجولان ومزارع شبعا، ولا عن استعادة الضفة الغربية وقطاع غزة، بل، ولم تمنع تعاظم استيطان أرض فلسطين وتهويدها، حيث لم يتبق بيد الفلسطينيين منها سوى 15%، بينما استباحة الاحتلال لفلسطينيي غزة والضفة، وقلبها القدس، شاملة، وما يُرتكب بحق فلسطينيي 48 من تطهير عرقي مخطط يتصاعد، ومثله ما يتعرض له فلسطينيو الشتات من إعادة تهجير وتشريد وتقتيل وتجويع.
عليه، يجب عدم إضاعة الصمود الأسطوري  لفلسطينيي غزة وتضحياتهم الغالية والإنجازات النوعية لمقاومتهم الباسلة، بإعادتهم لمربع معادلة "الهدوء مقابل الهدوء" الأمنية الفاشلة المستمدة من معادلة "الأرض مقابل السلام" السياسية العقيمة، التي لم تستعد أرضاً، ولم تجلب سلاماً، ولا حتى تسوية تنهي احتلالاً استيطانياً عنصرياً إحلالياً إقصائياً، ثبت أنه لن يرحل إلا بتحويله إلى مشروع خاسر. ما يوجب تكاتف الكل الوطني الفلسطيني لتثمير صمود غزة الأسطوري وتضحياتها الجسيمة وإنجازات مقاومتها البطلة في إنجاز سياسي وطني ملموس على طريق إنهاء الاحتلال، الأولوية الوطنية المركزية التي من دون القبض عليها يتعذر القبض على الأولويات الفرعية، وتأكيد أن التناقض الأساس هو بين الهوية الوطنية الفلسطينية والمشروع الصهيوني الذي تحاول حكومة المستوطنين بقيادة نتنياهو تحقيق المزيد من أهدافه، سواء بلغة السياسة الناعمة، (المفاوضات)، أو بلغتها العنيفة، (الحروب)، متناسية، ككل حكومات الاحتلال السابقة، أن معادلات وقوانين حسم الحروب مع الجيوش النظامية تختلف نوعياً عن حسمها مع انتفاضات الشعوب أو مع مقاومة مسلحة تحتضنها، وأن سياسات الاحتلال العنصرية الإقصائية الهجومية هي ما أنهى ما تبقى من  ثقة للشعب الفلسطيني بمعادلة "الأرض مقابل السلام" السياسية العقيمة، ومعادلة "الهدوء مقابل الهدوء" الأمنية الفاشلة، وأنها، (سياسات الاحتلال)، ما جعل مرجل الشعب الفلسطيني يغلي حتى بلغ الانفجار الحاصل بعد هبات جماهيرية لم تنقطع، حولتها شرارة إحراق فتى القدس حياً إلى حريق شامل لمواجهة حكومة مستوطنين لم تتوقف، برعاية أميركية عن ارتكاب أبشع أشكال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المخطط لتحقيق المزيد من الأهداف الصهيونية وانتزاع تنازلات إستراتيجية كالاعتراف بكيانها "دولة للشعب اليهودي" الذي  يهدد بشطب حق العودة رسمياً وطرد فلسطينيي 48.
لذلك فإن "وقفاً للنار" في غزة قبل ضمان انتزاع إنجاز سياسي وطني ملموس على طريق إنهاء الاحتلال، إن هو إلا تكرار لسياسة مجربة لم تقوَ على إنهائه، بل ولا حتى على تدفيعه ثمن جرائم وفظاعات ومجازر ومذابح جيشه وعصابات مستوطنيه، وآخرها مجزرة الشجاعية التي برر حدوثها مجرم الحرب، وزير الحرب الصهيوني، يعالون، بالقول: "لقد اضطررنا لتكثيف النيران لإخلاء قتلانا وجرحانا"!     144

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية