بصفتي أحد الذين تتوجه إليهم وسائل الإعلام الإسرائيلية لإجراء مقابلات في مختلف المجالات التي على علاقة بالشأن الفلسطيني وبالصراع مع إسرائيل، أواجه أسئلة كثيرة تتعلق بادعاء إسرائيلي، يجري تداوله وكأنه حقيقة ثابتة، وهو أن كتب التعليم والمدارس الفلسطينية تقوم بالتحريض على الكراهية والعنف تجاه الإسرائيليين، ويتم الاستدلال على ذلك هذه الأيام بما يقوم به الشبان وحتى الأطفال الفلسطينيون من هجمات ومواجهات مع الإسرائيليين في إطار موجة المقاومة الأخيرة. ويقول لسان حال العديد من الإسرائيليين، الذين يتغذون على معلومات وسائل الإعلام الإسرائيلية التي لم تكن يوماً موضوعية أو محايدة، أنه لولا التحريض ما كان هؤلاء الفتية والأطفال يقومون بمثل هذه الأعمال التي تعرضهم للخطر والتي يفقد معظمهم حياتهم نتيجة لها.
في الواقع كل الأبحاث الإسرائيلية التي نشرت على كتب التعليم الفلسطينية إما أنها تتناول فترة ما قبل مناهج السلطة الوطنية التي بدأ العمل بها في عام 2001، أي في فترة الاحتلال وتبحث كتب التعليم الأردنية والمصرية أصلاً، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى البحث الذي صدر عن مركز (مراقبة الإعلام الفلسطيني) الذي يديره البروفيسور ايتمار ماركوس المعروف بعدائيته الشديدة للفلسطينيين وبتطرفه وعنصريته، فهو كتب بحثاً يركز على كتب التعليم الأردنية في زمن الاحتلال والفترة الأولى للسلطة ولم يتطرق للمناهج الجديدة التي تدرس في كل المدارس في فلسطين، وهو بهذا يقوم بتزوير حقائق وإغفال أخرى، وهذا يتناقض مع أسس البحث العلمي، وإما أنها تركز على كتب التاريخ التي تتحدث عن الرواية التاريخية الفلسطينية لما جرى على أرض فلسطين، وهي بالتأكيد رواية تختلف تماماً مع الرواية الصهيونية المختلقة والتي لا تسندها الدلائل التاريخية التي يكشفها علماء الآثار حتى الإسرائيليون منهم.
ومن الطبيعي أن تنجم عن هذه الطريقة من البحث نتائج غير واقعية وكاذبة في معظم الأحيان، مع العلم أن كتب التعليم الفلسطينية ممولة من دول الاتحاد الأوروبي التي تدقق في كل كلمة فيها، ولا يوجد بها أي تحريض لا على الكراهية ولا على العنف كما يدعي الإسرائيليون الذي يطلقون العنان لتصريحاتهم ضد المؤسسة التعليمية الفلسطينية. وهي بالمقارنة مع ما يجري تدريسه في إسرائيل منفتحة بما لا يقاس وأكثر اعتدالاً. فالكتب الفلسطينية على الأقل عندما تضع خارطة فلسطين تحدد حدود الضفة الغربية وقطاع غزة وكل طفل وتلميذ وشاب وشيخ فلسطيني يعلم أن هذه الحدود هي حدود دولة فلسطين التي يريدها حرة مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، بينما الكتب الإسرائيلية تدرج خارطة فلسطين التاريخية وتغفل حدود الضفة وغزة ويكتب عليها « أرض إسرائيل» أو إسرائيل وعند الإشارة للضفة الغربية والقطاع يقولون «يهودا والسامرة» ناهيكم عن اعتبار القدس الكبرى الموحدة عاصمة لإسرائيل.
 وإذا رغب أحد في الاطلاع على تفاصيل أكثر في كيفية تعليم التاريخ في المدارس الإسرائيلية فإن كتاب د. إيلي بوديه أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في الجامعة العبرية – القدس «الصراع العربي الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية 1948-2000» يمثل مرجعاً مهماً في هذا الموضوع وقد صدرت عنه ترجمة باللغة العربية في مركز «مدار».
       الشيء الذي يتجاهله القادة الإسرائيليون هو تأثير الواقع على الناس، بمعنى لو بحثنا في الأسباب والدوافع التي تحث الفلسطينيين على المقاومة بما فيها العنيفة، فالموضوع لا يتعلق بتحريض في المدرسة أو المسجد أو الحارة أو وسائل الإعلام فقط، بل المسألة أعمق من ذلك بكثير. وإذا كان هناك تحريض فعلي فهو لم يؤثر على غالبية الشباب والأطفال لو أن ظروفهم طبيعية ويحيون حياة مستقرة وينعمون فيها بالطمأنينة والحرية والرخاء. وتأثير الواقع أبلغ وأعمق من كل تحريض أو قول يستهدف إخراج الناس لفعل قد يتناقض مع طبيعتهم ويذهب بعضهم لطريق يقود إلى الموت أو الخطر الشديد.
       ينسى الإسرائيليون أننا تحت احتلال بغيض وجائر منذ عقود طويلة. وينسون أن الصورة التي يطبعها الواقع في ذهن وعقل كل طفل فلسطيني عن إسرائيل والإسرائيليين هي صورة نمطية سلبية مستمدة من مشاهدات حية يعيشها في كل يوم صباحاً ومساءً، فالطفل الفلسطيني لا يرى من الإسرائيليين سوى الجندي الواقف على الحواجز أو الذي يقتحم بيته ويطلق الغاز والنار على المواطنين، والمستوطن الذي ينكل بجيرانه في محاولة لإجبارهم على الرحيل حتى يستولي على أرضهم وهو لا يتورع عن مخالفة كل القوانين والأعراف الأخلاقية وحتى الدينية في الاعتداء على البشر وقطع الشجر الذي تنهى عنه حتى الديانة اليهودية.
       وعندما يذهب المتطرفون اليهود إلى الأقصى ويطلقون التصريحات التي تهدد بهدمه وبناء الهيكل الثالث مكانه تكتمل الصورة عند الفلسطيني البسيط قبل المتعلم والمثقف، وهي أن هؤلاء المحتلين لا يريدون تركنا في حالنا ولا يريدون لنا أن نعيش في دولة خاصة بنا كشعب مستقل وحر مثل باقي شعوب الأرض. وحين يشعر الشباب الفلسطيني والجيل الاصغر أن قيادته لا حول لها ولا قوة ولا تستطيع منع الشر المرتبط بالاحتلال عنهم سيفكرون بطريقتهم الخاصة بوسائل الفعل التي تعبر عن رفضهم لهذا الواقع وتعبر كذلك عن رغبتهم بالتغيير على طريقتهم.
       ومع ذلك هناك صور يجب أن نحرص على عدم وجودها في وسائل إعلامنا لأنها تشكل وسيلة للتحريض علينا محلياً ودولياً، من قبيل إظهار أمهات الشهداء وهن يزغردن ويوزعن الحلوى. بل يجب أن نظهر معاناتنا وألمنا الحقيقي في كل حالة فقدان لروح فلسطينية، وألا نظهر وكأننا  سعداء بازدياد أعداد الشهداء، فهذه سادية على مجتمعنا واستهتار بقيمة الحياة. وهناك مظاهر لا بد من إعادة النظر فيها حتى تكون صورتنا على حقيقتها، شعب يرزح تحت الاحتلال يريد التخلص منه والعيش بحرية وأمن وسلام، شعب يرغب في الحياة ويقدسها ولا يريد الموت لنفسه أو للآخرين.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد