في شتاء مجنون .. يومٌ من حياة "سيدة الكرفان"

عائلة تعيش في كرفان

غزة / سوا / سارة الغرباوي /  انتهت الحربُ الثالثة على غزة، ووجدتُ نفسي مضطرةً، مرةً أخرى، للبقاء والتعايش مع واقع ما بعد الحرب! كتبتُ مذكّرة عن نجاتي من تلك الأيام السوداء كان عنوانها "الشفاء الذاتي في غزة"، والبداية كانت بهذا:-

انتهت الحرب .. لكنّ ألم الفقد لم تنتهِ بعد

انتهت الحرب .. لكنّ الجروح لم تتعافَ بعد

انتهت الحرب .. لكنّ البيوت لم تعد قائمةً في مكانها

انتهت الحرب .. لكنّ أرواحنا لم تُشفَ بعد

 

 

من الصعب أن أكتب عن غزة ولا أبدأ بحديثٍ عن الحربِ والموت! الموت في مدينتي قتل ظلنا واستوطن مكانه. ليس هذا فحسب، إنه يعيش بيننا وفينا، لا أدري كيف للحياة هنا أن تجتمع مع كلّ هذا الموت، وكلّ هذا الفقد، وكلّ هذا البؤس!

عامٌ مضى على حربٍ ثالثة لم ترحم أحداً، فالموت فيها لم يكن يشبه أحد، لكنّني أصبحت أؤمن أن للحرب أبعادٌ أخرى، أبعدَ بكثير من حديثنا عن القصف، وإحصائيات أعداد الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة، الحرب في غزة أمرٌ أكبر وأعمق بكثير من أن يُختصر في أرقام! والأغرب أنّ الحرب هنا لا تتوقف، حتى بعد أن يتوقف القتل!

ليس عدلاً أن أكتب عن الحياة في غزة، دون ذكر أولئك الذين يعانون عندما يمارسون أبسط طقوس الحياة اليومية .. كصعوبةِ حمام الصباح مثلاً .. أولئك الذين مسحت "ألة الطحن الإسرائيلية" منازلهم وأصبحت الكرفانات مأوىً لهم، أو كما يطلقون عليها "كرفانات الموت".

 

 

لا أريد ان أكثر الحديث، فلن أسلمكم وأسلم نفسي لتلك العبارات المجازية وجمل التوصيف، لذلك سأترككم مع السيدة إيمان و حياتها بالكرفان، الذي سيواجه جسدها وأجساد أطفالها الأربعة فصل شتاء وصفه الاختصاصيون بالـ " المجنون".

"إيمان أبو حليمة" التي أنهت منتصف عقدها الثاني حديثاً، متزوجة منذ ستة أعوام. قبل العدوان .. كانت تقطن مع عائلة زوجها في بنايةٍ ضخمة وجميلة تأوي في كبدها قرابة ثلاثين فرداً في حيّ الشجاعية.

ترجع " ايمان" ذات البشرة الحنطية بعجلة الذاكرة وتحدثنا بشكلٍ مختصر: مع بداية ظهور علامات مجزرة الفجر التي خلقتها القنابل الإسرائيلية بدقائق، غادرت العائلة المنزل كباقي عائلات الحيّ، حملوا أرواحهم على أكفّهم وأخذوا يركضون بهستيريا هرباً من الموت.

في تلك الليلة .. وقبل أن يغادروا المكان .. لم يودّعوه .. لم يطيلوا النظر إلى أركان البيت، فالموتُ كان يسكنها، لم يستنشقوا رائحته ولم يفكروا في ذكرياتهم وعمرهم الطويل فيه، لم يكن هناك وقتٌ ليلتفتوا إلى

الوراء، كان الموتُ يطوف في المكان، ينتظر زلّة لأيٍ منهم، ليأخذه إليه. لم يفعلوا، اعتقاداً منهم أنّ الأمر مؤقت، "سينتهي القصف، وسنعود" هكذا حدّثتهم أنفسهم.

هربوا .. نجوا بأرواحهم .. انتهت الحرب .. ثم عادوا بعد انقضاء أيام العدوان السوداء إلى منزلهم الدافئ ليجدو تلك البناية التي زينتها حديقة خضراء عبارة عن " كومة رماد".

بالنسبة لإيمان، لم يكن ذلك البيت مجرّد مكان يسكنون إليه فقط، بل كان يسكن إليهم أيضاً! "كانت لنا هناك حياة، ذكريات، أفراح وأتراح .. كلّها دُفنت هناك تحت التراب .. الكثير من القصص لن يكون لها معنىً الآن خارج حدود هذا البيت، الكثير من المشاعر لن أشعر بها مجدداً، الكثير من الروائح لن أشتمها بعد الآن!" قالت هذا بعد ما مسحت دمعتها الجارفة.

 

 

لكنّ كل ذلك الألم بدا صغيراً عندما تحدثت عن حياتها وأسرتهِا الآن، فهي لم تجد إلا الكرفانة البيضاء ملجأ لأطفالها ولها ولزوجها المتعطل عن العمل، لا أدري إن كان عدلاً حتى أن يُطلق على تلك الحياةِ (حياة)!

حياة الكرفان ليست سيئة كما تبدو لمن يشاهدها من الخارج، إنها أسوأ بكثير! لا تقي حرّاً ولا برداً. في الصباح تستيقظ إيمان لتبدأ رحلة مشقّة في ممارسة طقوس حياتها اليومية، تبدأها بإيقاظ ابنها الأكبر (هيثم) في الصف الثاني من المرحلة الابتدائية ليذهب إلى مدرسته متذمراً من ضنك الحياة في الكرفان واللعنة التي حلّت على حياة عائلته.

طفلها الأكبر الذي تراجع مستواه كثيراً في المدرسة بعدما فقد بيته وأصبح لا يجد مكاناً مناسباً يراجع فيه دروسه، وجلّ ما يتمناه الآن أن يكون لديه غرفة كباقي الأطفال في المدرسة ليواظب على واجباته المدرسية.

أما حياتها مع رضيعها (شاهر) الذي كُتب عليه الشقاء منذ أوّل يومٍ وُلد فيه، فكان مسقط رأسه في الكرفان وسط حرّ سبتمبر المنصرم، ولم يسلم جسده الصغير من قرص البعوض وحساسية الحر التي لا يُشفَ منها هو وإخوته طوال فترة الصيف.

وفي وقت انتصاف قرص الشمس في كبد السماء.. تذهب إيمان لتحضير طعام الغداء لأطفالها وبعد هذا تبدأ بتنظيف كرفانتها إذا كانت محظوظةً بوجود الماء!

نجت إيمان من الموت أثناء الحرب هي وكامل أفراد أسرتها، لكنّها لم تنجُ من ألم الفقد، وبؤس الوحدة! فزوجها لا يطيق حياة الكرفان، يقضي نهاره وليله خارجاً ويعود هناك لينام فقط، أما الأولاد فلا تستطيع حبسهم في الكرفان لفترات طويلة، فيخرجون إلى الشارع ليلعبوا إلى أن تخفي الشمس وجهها خلف ستار البحر، وتبقىى هي مع الرضيع (شاهر) حبيسة الكرفان طوال اليوم.

في هذا الشتاء المجنون المصحوب بسلسة منخفضات جوية لا نعلم كيف سيكون حال إيمان وأطفالها. صوتُ زخات المطر وهي ترتطم بسقف الكرفان التي ستتسلل إلى داخل الكرفان دون أدنى شك، كذلك تلك الأصوات التي ستصدرها تلك الأجواء. أعتقد أن أطفال إيمان سيتخيلون ذلك الصوت، كأنه يصدر من فم وحش يسكن في كهف مظلم، أو ربما ستذكرهم بصوت القصف! فيما ينامون برعب وعلى خد هيثم دمعة.

كذلك .. هواجس الموت التي لا تفارق قلب الأم خوفاً على أبنائها بعد حدوث ماس كهربائي في أحد الكرفانات المحيطة .. كل شيء في الكرفان يذكرهم بالموت ولا شيء سواه!

انتهت الحرب .. وإيمان تحاول طرد شتاءٍ مجنون عن أجساد أطفالها كما ستفعل العشرات من سيدات الكرفان، فيما الساسة يسيرون بعجلة الإعمار ببطء مقيت!

لأحدٍ قد فقد بيته .. فقد القدرة على أن يمشي .. القدرة على أن يحمل قلماً .. أن يرى النور .. أن يسمع الأصوات .. أن يعيش مع من يحب .. لهؤلاء وغيرهم .. ربما الموت كان سيكون رحمةً لهم!

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد