جوال

أبو عمار ووجع الغياب

rn

يعيش الإنسان خلال مسيرة حياته مفارقات عجيبة، وتغيرات قد تطال كل شيء حتى معتقده أو فكره أو مواقفة، فكل شيء قابل للتغيير في عصر يرفض المسلمات والثوابت. ومن هذه المفارقات التي لن أنساها، هي موقفي الشخصي من الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله. ففي الوقت الذي كنت أمزق فيه صورته مع أقراني إبان توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 عند ناصية المخيم، وقد كنا أطفالاً لم نبلغ الحلم بعد، وصولاً إلى زيارته مع أقراني في مقر المنتدى والتقاط الصور معه، انتهاء بخبر استشهاده في 11 نوفمبر 2004 والذي شكل صدمة لشاب مثلي لم يتخيل يوماً أن مثل هذا الرجل قد يموت فجأة لأنه تجذر في كيان كل فلسيني بشكل كبير، ثم بكائي عليه وخروجي في مظاهرة حاشدة مع من يخالفونني الهوية الحزبية والرأي أيضاً لنعلن أننا على عهد ذلك القائد مهما كان الاختلاف في المواقف السياسية.
وإننا اليوم بحاجة للاعتراف أن الحالة الفلسطينية أصيبت بنكسة عقب وفاته حيث صارت في مهب الريح، خصوصاً بعد وصول السلطة لقيادة مترهلة منقسمة على ذاتها، وصولاً إلى الانقسام والاقتتال الفلسطيني الداخلي. وهنا كان لا بد من التساؤل: هل حقاً أصاب الرجل، وهل إخفاقاته تسمح لنا بنكران الجميل؟
لقد دخل أبو عمار مقر الأمم المتحدة بسلاحه الشخصي في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1974م، وقال بملء الفيه: لا تسقِطوا غصن الزيتون من يدي. وكأنه كان يعرف بأننا إن أردنا السلام يجب أن تكون مستعدون جيداً للحرب، ومؤكداً يومها أن القضية الفلسطينية تدخل ضمن القضايا العادلة للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاضطهاد، ثم مناشداً ممثلي الحكومات والشعوب لمساندة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة إلى دياره.
ومروراً باتجاه الهبات الجماهيرية وانتفاضة الأقصى، فقد كان الزعيم الراحل أبو عمار يوعز لرجالات المقاومة بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية، ولقد تحمل تبعات ذلك الأمر من حصار طويل داخل المقاطعة في رام الله ثم الاغتيال بالسم، هوه يعلنها: بل أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً.
أطلق أبو عمار العنان للمقاومة بالذود عن الأقصى إبان دخول شارون باحات الحرم القدس ي الشريف في سبتمبر/ أيلول 2001. وهو يهتف علانية: ع القدس رايحين شهداء بالملايين. ولم يخنع فيما بعد لتوقيع اتفاقية تتنازل عن حق اللاجئين في العودة لديارهم. ففي كامب ديفيد وفي النصف الثاني من شهر يوليو/تموز 2000 تم عقد قمة ثلاثية جمعت عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أيهود باراك والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في منتجع "كامب ديفيد" لبحث قضية القدس والمستوطنات واللاجئين، وانتهت القمة بعد أسبوعين بالفشل لعدم التوصل إلى حل يمنحنا شيء من حقوقنا، وعاد أبو عمار مؤمناً أن المفاوضات لن تجدي نفعاً مع الصهاينة، وربما لو كان الأمر بيد من يملكون السلطة اليوم لتنازلوا عن كامل حقوقنا بلا أي حياء معلقين هزائمهم بمبررات واهية.
لقد ترك أبو عمار داخل بيته قطعة سلاح، ليقول لأبناء فتح قبل أي فصيل آخر: إن البندقية الواعية هي الضامن الحقيقي للقضية الفلسطينية، ولا يجب أن تسقط بأي حال، فلا يمكن للمفاوضات أن تحرر شبر من الوطن، وإنما القوة والضرب بيد من حديد لكل غاشم ومجرم.
ربما لم ترق رسالة أبو عمار بالأمس لأرباب السلطة، فالرسالة كانت واضحة بعد أن تم تسليم المنزل من طرف حركة حماس لمؤسسة الشهيد ياسر عرفات، وهي قطعة سلاح صغيرة رفعها القائد الفتحاوي زكريا الأغا أمام عدسات الكاميرا، كأنها تقول غير ما يقوله رئيس السلطة اليوم. فشتان بين من كان يمنح المقاومة الحرية للرد على الاعتداءات الصهيونية وبين من يوصي باعتقال قادة كتائب شهداء الأقصى والقسام والسرايا في الضفة الغربية لتثبيت سياسة الخنوع والرضوخ للمحتل تحت حجج واهية، بدلاً من وقف التنسيق الأمني والسماح لأبناء الأجهزة الأمنية بالرد على اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال.
ربما أخفق الرئيس عرفات في كثير من المواقف والقرارات، لكنه تحمل الكثير الكثير محاولاً الوصول بالقضية إلى بر الأمان، فاستحق بجدارة الاحترام والحب ليصير رمزاً لكل فلسطين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية