باحثان إسرائيليان: هكذا يمكن إنهاء الصراع وإنقاذ إسرائيل

القدس / سوا / يعتبر باحثان إسرائيليان أن مفتاح إنهاء الاحتلال يكمن في تحرر إسرائيل من حالة الجمود الفكري والسياسي المتواصل فيها منذ عقود. ويقترحان طريقة لذلك يغردان فيها خارج السرب السائد اليوم رسميا وشعبيا. 

ويقول الباحثان المؤرخ البروفسور إيلي بوديه (من مهندسي اتفاق أوسلو) والأخصائي النفسي- السياسي البروفسور دانئيل بارطال في مقال مشترك إن مزاعم «اللا شريك»، و«الوضع الراهن» من المصطلحات المريحة لإسرائيل. ويؤكدان أن الجمود الفكري لدى الإسرائيليين وقادتهم لا يتيح رؤية الواقع كما هو. ويشيران إلى أن نتائج الرؤية المعوجة باتت هنا.


وبالنسبة إليهما فإن الجمود السياسي ليس قضاء وقدرا بل هو لحد بعيد وليد سياسة متواصلة وفاشلة تقودها حكومات إسرائيل برئاسة نتنياهو. ويتابعان القول «هذا الجمود السياسي هو نتيجة جمود بالتفكير والفهم ولا يسمح لصناع القرار وبالتالي للإسرائيليين برؤية الواقع كما هو على الأرض.وبلغة علم النفس يعني الجمود الفكري الانغلاق على فكرة معينة ورفض معلومات مناقضة له والبحث فقط عن معطيات تعزز وجهة النظر السائدة».


ويرى بوديه وبارطال أن هذا الجمود في إسرائيل يتكون من خمسة مفاهيم أساسية مترابطة مع بعضها البعض. والمفهوم الأول حسب رؤيتهما يكمن برؤية «الوضع الراهن» أفضل من التغييرات». وينوهان أن خط التفكير هذا لازم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي اعتبرت كل تغيير خطوة ضد إسرائيل أو مخاطرة أكبر من اللازم. لذا يعتقدان أن التشبث بالوضع الراهن قد قاد لعدة كوارث كبيرة كحرب 1973 بعد رفض مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، والانتفاضتين الأولى والثانية عقب عدم تسوية القضية الفلسطينية.


والمفهوم الثاني هو الاعتقاد بأن إسرائيل محاطة بأعداء غير مستعدين للاعتراف بها أو التفاوض معها. وبرأي الباحثين الإسرائيليين فقد ثبت بطلان هذا الاعتقاد بعد توقيع اتفاقيتي الصلح مع مصر والأردن وتوقيع اتفاق أوسلو وطرح مبادرة السلام العربية. ويعتبران أن الانشغال الدائم بالتهديدات كإيران، حزب الله، حماس وداعش يطمس الحقيقة بأن هناك حلفاء محتملين في المنطقة بالذات في هذه الفترة.


أما المفهوم الثالث فيكمن بالاعتقاد بعدم وجود شريك للمفاوضات. ويشددان على أن هذه الرؤية المغلوطة تتجاهل الحقيقة بأن الرئيس محمود عباس هو القائد الفلسطيني الأكثر اعتدالا والمعارض للعنف والملتزم بتسوية الدولتين في حدود 1967. ويتابعان «أن عملية نزع شرعية عباس التي تقودها حكومة بنيامين نتنياهو مقصود ونجح بإقناع الإسرائيليين بأنه غير راغب أو عاجز عن التفاوض على حل إحداثياته معروفة منذ زمن بعيد.


والمفهوم الرابع يتجسد في الاعتقاد بأن حكومات إسرائيل لا تستطيع مواجهة المستوطنين بسبب عددهم وجماعات الضغط الفاعلة معهم. وللتدليل على الاعتقاد المغلوط يضيفان «بخلاف هذا المفهوم فإن قادة عنيدين من اليمين أمثال مناحيم بيغن وأرئيل شارون نجحوا في إخلاء مستوطنات بخطوات حظيت بدعم جماهيري واسع.»

 وأخيرا المفهوم الاستعلائي حيال العرب من الناحيتين السياسية والثقافية والنابع من رؤية إسرائيل الديمقراطية كجزء من الغرب، بينما العرب هم جزء من العالم الثالث. ويريان أن الربيع العربي الذي لم يثمر عن تغييرات كبيرة عدا في تونس قد عزز ليس هذا المفهوم فحسب بل عزز مفهوم الاحتفاظ بالوضع الراهن.


ويشير الباحثان إلى ما تحاول إسرائيل وأوساط واسعة فيها تجاهله، فيقولان إنه نتيجة الاحتلال فإن نصف السكان في البلاد من البحر للنهر لا يتمتعون بحقوق المواطن والإنسان ما يخرج إسرائيل من نادي الدول المتنورة.


وتترتب على هذا الجمود السياسي الناجم عن الجمود بالتفكير من وجهة نظرهما عدة نتائج بعضها مرئي وبعضها بطور التبلور. وهما يقومان بالتوقف عندها وأولها المقاطعة السياسية والاقتصادية التي بدأت بالمستوطنات وهي تتجه لتشمل إسرائيل كلها على غرار جنوب إفريقيا. ويشيران إلى أن حملة المقاطعة الدولية لا ترى أحيانا خاصة في الجامعات وهي تتصاعد في الولايات المتحدة وأوروبا وهي لا تميز بين إسرائيل وبين المستوطنات. ويتابعان ستتفاقم المقاطعة بحجمها ووتيرتها لأن العالم يتعارض مع المعايير الدولية وهكذا تعرضت جنوب أفريقيا لمقاطعة بطيئة في الأول وسرعان ما تصاعدت وحتى الولايات المتحدة انضمت له.»


ويرجح بوديه وبارطال أن تتعمق عزلة إسرائيل بالعالم، ويقولان إن السلطة الفلسطينية أحرزت نجاحا جزئيا ورمزيا بالأساس بمساعيها لحيازة اعتراف في الأمم المتحدة والبرلمانات الأوروبية، لكن استمرار الاحتلال سيعزز مسيرة تآكل شرعية الاحتلال وربما شرعية إسرائيل. ورغم الدعم الأمريكي غير المحدود يرى الباحثان أن علاقات مختلة بين تل أبيب وواشنطن هي واحدة من نتائج الجمود السياسي، حتى وإن بدت على ما يرام.

 ويرجحان أن استمرار الأفق المسدود سيعزز الأصوات الليبرالية والجاليات من أصل أمريكي- لاتيني التي تنتقد إسرائيل. كما سيؤثر ذلك على صناعة القرارات الأمريكية لاسيما إذا انتخب رئيس ديمقراطي علاوة على ابتعاد يهود ليبراليين عن إسرائيل أو مناهضة سياستها، ومن شأن ذلك أن يتسبب بشرخ بين يهود أمريكا أنفسهم. ومن نتائج الجمود السياسي أيضا تدهور العلاقات بين إسرائيل وبين أوروبا على غرار العلاقات مع الولايات المتحدة، لأن الرأي العام في الحالتين سيضغط على الحكومات. ومحليا يرجحان أيضا نشوب انتفاضة فلسطينية جديدة تهدد إسرائيل نتيجة اليأس والأوضاع الاقتصادية الصعبة والاستفزازات الإسرائيلية ويعتبران أن الهبة الحالية هي انتفاضة مصغرة لما هو آت.


وإسرائيليا سيضرب الجمود السياسي الوحدة الإسرائيلية الداخلية ويلحق ضررا بالتكافل الاجتماعي وعندئذ تفقد إسرائيل طابعها الديمقراطي جراء محاولات كبت النقاش وتشريع قوانين ضد المساواة، وهذا ما سبق وحذر منه الفيلسوف اليهودي يشعياهو ليفوفيتش قبل عقود. ويوضح بوديه وبارطال أن أغلبية الإسرائيليين لا يناقشون مسيرة تآكل مجتمعهم لأنها بطيئة وليست دراماتيكية بشكل كاف لتغيير معتقدات ورؤى.


ومن أجل الخروج من الجمود يقترحان التحرر من النمط التفكيري الراسخ من خلال حملة علاقات عامة بالبلاد والعالم بمناسبة الذكرى الخمسين لاحتلال الضفة و غزة . ويعتقدان أن إحياء الذكرى الخمسين للاحتلال سيساعد في تجنيد الجماهير لمصلحة إسرائيل وضد الاحتلال لاعتباره مناسبة رمزية من الممكن تجنيد من يناهض الاحتلال من الناحية الأخلاقية ومن يناهض بدوافع سياسية. ويخلصان للقول إنه بعكس الرؤية الراسخة والمغلوطة لدى الحكومة فإن ما «سنبغي أن يوجهنا هو الاعتراف بأن استمرار الاحتلال يفسد النسيج الأخلاقي والديمقراطي للإسرائيليين ويمس بحقوق الفلسطينيين ويدفع نحو دولة ثنائية القومية وفقدان الهوية اليهودية». ويضيفان :»من أجل إنقاذ إسرائيل ينبغي إنهاء الاحتلال ونقترح القول من الآن : نعم لإسرائيل لا للاحتلال».

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد