الحراك الدولي والحراك الشعبي


أسهل شيء تحديد تاريخ بداية الهبات والانتفاضات الفلسطينية، فيما تظل الصعوبة الحقيقية في تحديد متي تنتهي. فالانتفاضة الفلسطينية الاولى بدأت حين خرج آلاف الفلسطينيين غاضبين على دهس مستوطن للعمال الفلسطينيين، وما بدأ بمواجهات بين راشقي الحجارة في غزة والضفة الغربية تحول إلى فعل ميداني ضخم تبعه حراك سياسي سيغير وجه المنطقة بعد توقيع اتفاق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل إثر انطلاق مؤتمر مدريد. لا أحد يستطيع ان يقول متى انتهت الانتفاضة الاولى، إذ يصعب القول مثلاً إنها انتهت مع توقيع اتفاق السلام، إذ إن المواجهات استمرت بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال حتى خروجه من قلب المدن والمخيمات. وحتى بعد ذلك يمكن الجزم بان الفلسطينيين ظلوا يعتقدون أنهم يعيشون زمن الانتفاضة.

أما الانتفاضة الثانية، فقد بدأت بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى والغضب الشعبي الذي نجم عن ذلك والذي ترافق مع فشل المفاوضات مع اسرائيل في كامب ديفيد . واستمرت الانتفاضة الثانية في تصاعد مختلف الوتيرة من فترة للثانية حتى وصلت ذروتها في اجتياح اسرائيل للضفة الغربية وبعد ذلك تركها لغزة ومحاصرتها لها. لكن هل توقفت الانتفاضة هنا؟ يصعب الجزم بذلك إذ أنه لا يوجد تاريخ محدد يمكن عند الإشارة إليه أن نقول إن الانتفاضة انتهت. وبين الانتفاضتين هناك هبة النفق التي استمرت أسبوعين ثم هدأت ومواجهات أخرى متفرقة كلها بدأت وانتهت دون ان يكون ثمة حاجة لخوض نقاش طويل ومركب حول النهايات. من الواضح ان النهايات ليست ذات أهمية، بل البدايات هي ما يهم في الامر.
يرمى كل فعل ميداني إلى لفت انتباه الفاعلين السياسيين إلى ضرورة تغير الوضع القائم. وحتى مفهوم الثورة الداعية إلى التغيير ترمي إلى إحداث مثل هذه الالتفاتة. لأن الفعل ليس مجرد تكامل الظروف الميدانية في سياق محدد، بل هو اشتباك بين الرغبة والدافع خلفه وبين تبلور المواقف تجاهه. إنه تلاحم وتظافر وتنافر في آن بين القوة الكامنة خلف الإندفاعة التي تحركه وبين رغبة الآخرين وتحديداً الخصوم في ان يوقفوه. وهذا الصراع بحد ذاته هو جوهر الفعل الميداني، لأنه باروميتر يقيس المقدرة على تحقيق المطالب ويحديد بوصلة النقاش. إن السياقات الجامدة وحدها لا تنتج فعلاً. والفعل الفاشل وحده الذي لا يجبر الآخرين على الإلتفات إليه. والالتفات إليه يعني الحوار والنقاش والقبول والرفض، ولا تعني بالضرورة الانتقال من التنافر إلى التناغم.
بالطبع يصعب فصل الحراك الدولي عن الحراك الشعبي، خاصة حين يتعلق الامر بقضية مثل القضية الفلسطينية صنعتها الأطراف الدولية حين ساعدت المستوطنين اليهود منذ مطالع القرن العشرين في سرقة فلسطين ومكنت لهما فيها. والحراك بهذا المعني هو تحميل العالم مسؤوليته تجاه مأساة الشعب الفلسطيني، امام رغبته الجامحة لتناسي ذلك، بل ودفع إسرائيل له حتى يغور بعيداً عن المشهد. لنتذكر أن قوة الانتفاضة الاولى كانت في التعاطف الكبير الذي حققته في المجتمع الدولي حين تم نقل صور الفتيان والفتيات وهم يواجهون الجنود المدججين بالسلاح. الحراك الدولي والإدانة الدولي كانت جزءاً هاماً في تحقيق الانتفاضة لمطالبها.
والهبة الفلسطينية الحالية مثل بقية الانتفاضات والهبات السابقة تسعى إلى تسليط الضوء على الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وللقول بأن الامور لم تعد تحتمل. وربما للمرة الأولى يتم الحديث عن انتفاضة في القدس والضفة. ورغم خروج الناس بالآلاف على السلك الشائك الفصل بين قطاع غزة وإسرائيل، إلا أن الخطاب الرسمي في غزة كان يركز ان ما يقوم به سكان غزة هو تضامن مع انتفاضة القدس والضفة. بمعني وجود اتفاق فلسطيني ضمني ان ما يحدث هو فعل ميداني محود وليس انتفاضة شاملة. ويمكن عند قراءة ردة فعل ومشاركة التنظيمات فيما يجري يمكن الاستدلال بصورة كبيرة على الاتفاق الضمني على عدم خروج الامور عن السيطرة. فالرئيس أبو مازن كان واضحاً منذ البداية أن ما يجري ليس إلا «غضبة» و»هبة» للقول بأن استمرار الوضع الراهن لا يكون في مصلحة احد، وان على المجتمع الدولي ان يستمع جيداً لتكة القنبلة قبل أن تنفجر. في المقابل فإن حماس لا تريد أن تزج غزة في المعركة لأن هذا يعني المجازفة بخسارة حكمها للقطاع غير الرغبة في التخلي عنه. اما بقية الفصائل فإنها تعرف أن مساهمتها في الأحداث لن تمكنها من تغيير المعادلة القائمة وربما عدم رغبتها بذلك. وامام ذلك فإن الهبة الشعبية التي تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة مع إسرائيل، وهذه المرة علاقة أيضاً في المستوى السياسي، لم تخرج عن النسق العام للانتفاضات والهبات الفلسطينية السابقة، بل هي جزء أصيل منها. ليس ما لها من بدايات، ولها من لها من نهايات غير معروفة، ولها ما لها من أهداف وتطلعات.
وتغيير فلسفة العلاقة مع إسرائيل من مجرد تفاوض إلى اشتباك وتفاوض امر هام في اكمال الاستدارة الفلسطينية وإحداث التحول الجوهري المطلوب للمستقبل. حيث أن طبيعة العلاقة بين السلطة وإسرائيل يجب أن تتأسس على الحق في الاشتباك والحق في الدفاع عن النفس والحق في توجيه بوصلة الصراع في اللحظات التي تصل فيها المفاوضات إلى طريق مسدود.
حين تأتي الوفود ولا يتوقف الجرس عن الرنين فإن الحجر الفلسطيني استطاع ان يصل إلى أبعد من الحاجز الإسرائيلي. السؤال هو كيف يمكن لنا أن نثور هذا الحراك الدولي من اجل تحقيق المزيد من الانتصارات الدولية، وفي تغيير الواقع على الأرض. المؤكد ان المزيد من الشقاق والخلاف على الفضائيات لن يجلب ذلك. فقط المصارحة والمنطقية والمصلحة الوطنية هي من تحقق ذلك. كما أن المؤكد أن الهبة الحالية وهي تتواصل يوماً بعد يوم بحاجة الى فعل سياسي وطني يطالب إلى جانب كل ذلك بإنهاء الإنقسام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم