بين ثنايا صورة عائلة حسان .. تعجز اللغة عن القول!

غزة / سارة الغرباوي / الصورة .. توقّف لحظة من الزمن، هكذا يخطر في بال الجميع، لكنّ عند البعض توقف الزمن نفسه حين تُوثق لحظة تجبر الحياةَ على خلع ألوانها الزاهية وارتداء فقط لون الرماد.


عائلة حسّان وحكايا الفقد، صورة تصعب على اللغة تحديد هويتها في معاجمها، لبلاغة الأوجاع التي تحيط إطارها؛ العائلة المكونة من أربعة أفراد وخامسها لم يبصر النور بعد، أصبحت مقتصرةً الآن على يحيى حسان وابنه محمد بعدما شاهدا ليلةً شعواء مسحت ملامح الحياة دون رحمة، حين استشهدت الزوجة الحامل نور ورهف الصغيرة الذي لا يجيد وجهها إلا نفث البراءة.


الوالد والطفل .. كلاهما على سرير المشفى، يداويان جراحهما؛ أمسك يحيى بيد ابنه يؤازره بفقد أمه وأخته ويؤازر به نفسَه، نظر إليه، وأخبرتنا عيناهما هذه الحكاية القصيرة!

أنا وأنتْ ..

لم يتبقَ لنا سوانا يا صغيري ..
أعلمُ أن الأمر ليس هيناً علينا ..
وأدركُ جيداً ما تقوله لي عينيك ..
أنت تحبني .. ولكنّي غيرُ كافٍ لك ..
أنا أحبّك .. لكنّي سأكتوي بلوعة اشتياقي لأمك وحبيبتي رهف ..


قد لا نكتفي بنا لكنّي أعلمُ بأنّ اللهَ كافٍ عبدَه .. وأنّه وعلى الرغم من كلّ ذلك الحب الذي حملته لنا أمك في قلبها وأغدقته علينا .. أنّه علينا منها أحن ..


دعنا الآن نتفق
ستبدو الصّباحات الآن مختلفة ..
ولأكن صريحاً معك .. مختلفةً بشكلٍ سيء ..
علينا أن نعتمد على أنفسنا أكثر ..
سأوقظك أنا للمدرسة .. وسأحضّر لك وجبة الإفطار .. سأضعُها لك في الجيب الأيمن من حقيبتك ..
ستكونُ في نفس المكان الذي عوّدتك عليه أمك .. لكنّي لا أعدُك بأنه سيحمل نفسَ الطعم ..
فأنت تعلمُ يا صغيري أن النساء لهنّ نفسٌ في الطعام الذي يعدونه كما يزعمن القول .. لكن أرجوك .. لا تضعه جانباً .. تناوله .. ستعتاد الطعم الجديد بعد حين ..


ملابسك .. سأنظفها لك وأكويها .. لكن حاول أن تحافظ على نظافتها لوقتٍ أطول .. فأنت تعلمُ أن العمل يأخذُ مني الكثير من الوقت .. مرتين في الأسبوع يبدو عادلاً لي ولك .. أليس كذلك؟


إذا تأخرتُ في إيقاظك يوماً ووبخك مدرسك أو فتحت حقيبتك ولم تجد إفطارك أو وجدت بعض التكسير في قميصك .. لا تغضب مني .. أنا أحاول جاهداً .. ربما كنت ألعب مع رهف في حلمي وخشيتُ أن أستيقظ فلا تزورني في الليلة التي تليها .. فأنت تعلم كم أشتاقها ..


لا تغضب مني .. ولا تَبكِ أمّك
أخبرتني جدتُك يوماً بأنّ الطفل يُخلق ويربطه بأمه حبلين، الحبل الأول زادٌ له بالغذاء .. يُقطع يوم ميلاده
والحبلُ الآخر .. خفيٌّ وأبديّ .. يصل بين قلبيهما .. وزعمت جدتك أنه لا ينقطع حتى بموت أحدهما
إذا بكيت .. ستعلمُ هيَ .. لن تكون هنا لاحتضانك .. فلا تُثقل عليها .. لأجلِ حبّك لها .. لا تَبكِها ..
أعدُك أيضاً أنني سألعب معك لعبتكما المفضلة أنت ورهف


ستختبئ أنت .. وأنا سأتولى أمر البحث عنك .. لكن أرجوك .. لا تختبئ في الأماكن الضيقة
فأنا لستُ بحجم رهف ..
لا تغضب مني .. ولا تَبكِ أمّك
احتملني .. واحتمل حزني المفاجئ أحياناً
لا تبكِ رهف أيضاً .. لا أعرفُ أساطيرَ أخرى تخبر بوجود تخاطرٍ بين الأخ وأخته ..
لكنّي أعلمُ أنها كانت تحبّ وجهك وأنت تضحك .. اضحك لأجلها .. لأجلِ حبها .. لا تَبكِها ..
رمضان والعيد سيختلفان كذلك ..
سأحضرُ لك فانوساً أكبر .. وسأضاعف لكَ العيدية
أعلمُ أنّ هذا ليس كافياً
لكن .. أريدك أن تعلم
أنّي أحاول جاهداً ..
سأتماسك لأجلك .. لأجلنا
وأنت أيضاً .. تماسك .. فأنا وأنت .. لم يتبقَ لنا سوانا يا صغيري !

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد