3000 حالة توحد على مستوى قطاع غزة
غزة / عبد الهادي مسلم / لم تذهب دون أن تخلف بعدها ألاما وأوجاع أطاحت بقلوب الكثيرين من أهالي القطاع, وأصابت الأضعف فيهم بأمراض مزمنة نفسية أو إعاقة جسدية حرمته من الحياة بشكل طبيعي ,فكان الأطفال الضحية الأولى والتي نالت نصيب الأسد من قهر تلك الآلة, وبطش تلك اليد الإرهابية فالحرب الأخيرة على قطاع غزة نتج عنها إصابة الكثير من الأطفال ن بأمراض نفسية يصعب التعامل معها أو تحتاج سنوات طويلة من العلاج للتخلص منها, فكان مرض التوحد الوحش الذي يكتسح نفوس الأطفال ويكبل رغبتهم في الحياة ليجعلهم سكان عالم خاص دون أي تواصل مع الآخرين, الأمر الذي دفع عدد من الأخصائيين إلي إنشاء جمعية الأمل لرعاية وتأهيل أطفال التوحد لمساعدتهم ودمجهم في المجتمع من جديد .
و قالت تغريد العميا مشرفة الجمعية أن تزايد حالات التوحد والاضطرابات النفسية لدى الأطفال في قطاع غزة ارتفعت بعد الحرب الأخيرة على القطاع , مشيرة إلى أن شكوى كثير من الأهالي حول معاناة أطفالهم من بعض المشاكل السلوكية و أخرى في النطق والتخاطب دعا الأمر بعض الأخصائيين النفسيين إلى عمل مسح حول هذه الحالات, ليتبين بعد ذلك وجود 3000 حالة توحد تقريبا في قطاع غزة وبشكل ملحوظ لدى كثير من الأطفال دون معرفة الأهل بان أطفالهم يعانون من هذا المرض .
وأوضحت العميا إلى أن جمعية الأمل لرعاية وتأهيل أطفال التوحد والتخاطب هي الأولى من نوعها في محافظة الوسطى نشأت منذ بداية العام الجاري لمعالجة الأطفال الذين يفتقدون للرعاية في ظل عدم وعي المجتمع بطبيعة هذا المرض وكيفية التعامل مع الأطفال المصابين فيه , مبينة أن كثيرا من الحالات لا يعرف أولياء أمورها بأنها مصابة بالتوحيد لغياب التشخيص الدقيق في غزة لمثل هذا المرض وعدم وجود أخصائيين مدربين ومؤهلين للتشخيص السليم والدقيق .
وأفادت أن تأسيس الجمعية مازال في مراحله الأولى خاصة أنها نشأت بجهود شخصية من القائمين على الجمعية, موضحة أن كثيرا من العقبات تقف أمام تقدم الجمعية في ظل وجود حالات كثيرة من الأطفال المصابين بمرض التوحد أو مشاكل التخاطب والسلوك وغيرها حيث يعمل المركز حاليا تحقيق عدة أهداف منها تنمية مهارات التكامل الحسي لعلاج المشكلات الحسية وتنمية حاسة التوازن لأطفال التوحد, وتنمية المهارات الحركية الدقيقة بزيادة قدرة الطفل على التركيز التقليل من الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأسرة بسبب وجود حالة التوحد لدى أطفالهم , إضافة إلى علاج مشاكل النطق وزيادة التآزر الحسي والحركي للأطفال وتوعية وتثقيف الأمهات بكيفية اكتشاف مشكلة التوحد لدى أطفالهم وطرق العلاج من خلال برنامج البورتج .
وأوضحت أن الجمعية تقوم على تطبيق عدة برامج تساعد على تحقيق تلك الأهداف في التعامل مع أطفال التوحد وطرق علاجهم بالتآزر مع الأهالي ومؤسسات المجتمع المدني مبينة أن الجمعية عكفت على عقد سلسلة من ورش العمل على مستوى محافظة الوسطى للتوعية بهذا المرض وتعريف المجتمع به وعمل جلسات خاصة بالأهالي الذين لديهم أطفال توحد لتعريفهم أكثر بكيفية التعامل مع الحالة وتقديم العلاج اللازمة لها وفق برنامج خاص يحدده الأخصائيون , إضافة إلى تنظيم عدة لقاءات تلفزيونية وإذاعية لتعريف اكبر شريحة ممكن من الجمهور بالمرض وكيفية التعرف عليه وطرق التعامل معه, مردفة أن هناك عدة برامج تتبع في الجمعية من قبل أخصائيات مدربات للتعامل مع مثل هذه الحالات منها برنامج التخاطب لمعاجلة مشاكل التأتأة لدى الأطفال إضافة إلى برنامج التوحد ويتبع فيه الآلية خاصة لأصحاب هذه الحالات.
وبرنامج البورتج لتعديل السلوك والتخاطب وبرنامج أساليب التعزيز وبرنامج اوبلز لتنمية قدرات الأطفال اللغوية وبرنامج الحمية الغذائية لأطفال التوحد , مؤكدة أن هناك تصنيفات للمرض يستخدم البرامج وفق هذه التصنيفات حيث أن هناك حالات تعاني من طيف التوحد وهو ابسط الأنواع للمرض والدرجة الأولى وهي قريبة من التخلف العقلي.
وأشارت العميا أن الجمعية تواجه كثيرا من العقبات والتحديات التي تقف عائقا أمام نهوضها منها شح الإمكانيات المالية نظرا لأنها مبنية على جهود شخصية, إضافة غياب التنسيق بين المراكز الأخرى المعنية في هذا المرض خاصة انه يوجد 6 مؤسسات لمعالجة مرض التوحد ومركز وحيد على مستوى قطاع غزة, مبينة أن اغلب هذه المؤسسات تحتكر الخبرات والأخصائيين المدربين لها فقط دون أي تعاون مشترك مع باقي المراكز, إضافة إلى عدم تعاون بعض الأهالي في الاستجابة للأخصائيين والمساعدة في معاجلة أبنائهم معتقدين أن علاج المؤسسة يكفي لتحسين حالة طفلهم, موضحة أن بعضهم يعمدون إلى إخفاء بعض المعلومات عن الأخصائيين حول أعراض مرض طفلهم, مبينة أن هذا لا يساعد في علاج الطفل في ظل نقص المعلومات حول طبيعة المرض وأعراضه ولا يساعد على تصنيف حالته ووضع البرامج الخاصة لعلاجه, مؤكدة أن دور الأسرة كبير ومهم في معالجة حالات أطفال التوحد خاصة في تتبع التعليمات التي يعكف الأخصائي للأهل حيث أن اغلبها بحاجة إلى إشراف الأهل في المنزل على حالة الطفل إلى جانب دور المؤسسة في رعايته, موضحة أن كثيرا من الأهالي يتواصلون مع المؤسسة للاطلاع على حالة أبنائهم خاصة أن هناك جلسات خاصة تعقد لبعض الأهالي لإعطائهم بعض التعليمات الخاصة في كيفية العامل مع الحالة حسب البرنامج المعد من قبل الأخصائيين .
وذكرت العميا أن المؤسسة تتبع أنشطة علاجية من ممارسة للألعاب والاعتماد على الحركة ولغة التخاطب بعيدا عن التعامل مع الأدوية الطبية , منوهة إلى أن هناك أسباب للإصابة بهذا المرض منها سبب بيئي وهذا شائع في قطاع غزة بسبب الحروب المتكررة عليه وانتشار الغازات السامة وبعض المواد الكيماوية في الهواء والتي تؤثر على الأطفال الأكثر عرضة لهذا المرض , إضافة إلى بيولوجي وراثي حيث يكون الوالدين حاملان لجينات هذا المرض فيصاب به الطفل وهو اقرب إلى التخلف العقلي, إضافة إلى عامل فسيولوجي بان يكون الطفل معرض لمرض التوحد منذ الولادة ويكتشف عنده المرض في مراحل عمره الأولى, والسبب الأخير هو زواج الأقارب والمنتشر بكثرة في قطاع غزة فيكون أطفالهم إما حاملين لهذا المرض أو مصابين به .
مبينة أن هناك تنسيق لبعض الحالات مع أطباء أخصائيين حول الأدوية المعطاة لهم لتتناسب مع البرامج المتبعة لمثل حالاتهم وطالبت بضرورة توحيد جميع المراكز في قطاع غزة تحت إطار مركز واحد يشرف على هذه الحالات, إضافة إلى دعم المركز لتطويره لاستمرار عمله بشكل أفضل وتعاون جميع الأهالي الذين لديهم أطفال يعانون من التوحد مع الأخصائيين لعلاج أبنائهم بشكل أفضل وتقبل فكرة مرض أبنائهم ليسهل التعامل معهم في المنزل وإنجاح علاجهم .
من جانبها عبرت وداد الحاج جدة الطفل حمزة "5 أعوام " من مخيم النصيرات عن سعادتها لوجود جمعية الأمل في محافظة الوسطى نظرا لقربها من منزلهم, مبينة أن العائلة تعبت كثيرا خلال السنوات الماضية من الذهاب لمراكز عديدة وأطباء كثير دون أي تحسن في حالة طفلهم وملوا إعطاء الطفل الدواء الذي أرهقه , مشيرة أن الجمعية ساعدت الطفل كثيرا وتحسن عن السابق بشكل ملحوظ وأصبح يدرك ما حوله بعد أن كان سلوكه مضطرب و يبكي تلقائيا عندما يبكي الأطفال الآخرون, وحركته يديه مستمرة ولم يكن يعرف الجلوس جيدا , يقفز كثيرا عندما يشاهد شيئا يحبه , لكن بعد ذهابه إلى الجمعية وبدء التعامل معه من قبل الأخصائيين أصبح أكثر إدراكا وانضباطا ويستطيع التحاور مع الآخرين والتعامل معه حتى بات أفضل في المنزل وحركته جيدة , مبينة أن جميع أفراد العائلة متعاونين مع الجمعية لمساعدة حمزة أكثر على التحسن بعد التحسن الذي لوحظ عليه خلال أشهر قليلة , مضيفة أن الأسلوب المتبع في علاج حمزة ممتاز خاصة انه لا يعتمد على الدواء بل يركز على الحركة والنشاط والقدرة على التخاطب والتحاور من خلال أنشطة وبعض التعليمات التي تنفذ وتتبع لعلاجه .
أما سناء أبو شاويش أم الطفل إبراهيم ثمانية أعوام والذي يعاني من التوحد منذ نعومة أظفاره وذلك نتيجة نقص الأكسجين في الدماغ عند ولادته ومعاناته من ثقب في القلب ,مشيرة إلى أن ابنها بدا المشي في سن الأربع سنوات ونصف ويعاني من طيف التوحد , مشيرة إلى أن حالة طفلها بسيطة وفي تحسن ملحوظ خاصة انه يحب أن يتعامل مع كقائد في كل شي فهذا يعطيه شعور بالقوة والتحسن ويستجيب لكل لطلبات والتعليمات إذا ما شعر أن الأمور تحت سيطرته , منوهة إلى أن الجمعية ومن خلال الأخصائيين ساعدوها كثيرا في التعامل مع حالة طفلها وأصبح يستجيب للتعليمات والعلاج في المنزل حسب البرنامج المعد له من قبل الأخصائية التي تتابع حالته, مبينة أن الجمعية تتبع أساليب جيدة في علاج الأطفال وتساعدهم في تخطي الكثير من العقبات التي يواجهونها خاصة في السلوك ومهارات اللغة والتخاطب والحوار مع الآخرين , مضيفة أنها شعرت بتحسن حالة ابنها عن ذي قبل بشكل اكبر و متمنية أن تتطور الجمعية ويكون هناك إمكانيات أكثر تساعدهم في علاج اكبر عدد من حالات أطفال التوحد في محافظة الوسطى .
من جهتها أوضحت الأخصائية تساهيل الاخرسي أن جميع الاخصائين في الجمعية يبتعدون عن استخدام الدواء في علاج الأطفال ويعتمدون على المهارات الحسية والحركية والبصرية من خلال برامج نفسية معدة جيدا وفق الحالات وتصنيفها , مشيرة إلى كثيرا منهم تحسنت حالته عن السابق بشكل اكبر, مبينة أن تعاون كثيرا من الأهالي وتقبلهم فكرة مرض أطفالهم ومساعدة الأخصائيين في تطبيق بعض التعليمات في المنزل يساعد بشكل كبير على تحسن حالة أطفالهم بشكل أسرع , مردفة أن الجمعية تعتمد على تعليم الأطفال وعلاجهم من خلال الألعاب والصر وبرامج العرض المصورة والتحاور اللفظي والاندماج مع الآخرين بشكل كبير , موضحة أن كثيرا من الأطفال الذين يعانون التوحد يمتلكون مهارة الحفظ بشكل ممتاز وقد يفوقون أشخاصا طبيعيين بهذا القدرة والهبة التي يمتلكونها , مشيرة إلى ضرورة اندماج أطفال التوحد في المجتمع لان ذلك يساعد في علاجهم وتحسن نفسيتهم و تغلبهم على كثير من المشاكل وإبعادهم عن كل ما يشتت ذهنهم ويحاصرهم في عالم خاص بل على الجميع مساعدتهم على التفاعل والمشاركة خاصة مع أقرانهم.
