انتهت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، ولكن الأسئلة التي تتركها وراءها لا تنتهي؛ فبينما يراها البعض محفلًا حاسمًا، فإن الحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن الأمم المتحدة أصبحت، في مجملها، مجرد «مكلمة» واستعراض للعلاقات العامة. فهي لا تعدو كونها منصة لتبادل الكلمات التي لا تؤثر ولا تُترجم على أرض الواقع، وتفشل في حل القضايا الأساسية والجوهرية، طالما ظلت اليد العليا فيها لأمريكا، التي تفرض هيمنتها باعتبارها المساهم الأساسي والأكبر في موازنتها.
وحتى عندما تشهد القاعة خطابات نارية وقوية من بعض الزعماء، تثير حماس الجمهور العربي والإسلامي، فإنها تظل شكلية، مجرد كلمات رنانة تحظى بالإعجاب، لكنها تتبخر فور انتهاء الجلسة، دون أن يكون لها أي وقع أو أثر حقيقي، وتبقى مجرد حبر على ورق لا علاقة له بالواقع.
ذكريات الاتحادية في شرق مانهاتن
عند ذهابي لحضور اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام، وتحديدًا في أول أيام High-Level Week للجمعية العامة، كانت الأجواء مطيرة ومغلقة. كنا نسير عبر طريق خاص ومجمع مرور أمني مخصص، حتى وصلنا إلى الشارع 45 وEast Avenue باتجاه الشرق.
نيويورك، في الجانب الشرقي من مانهاتن، كانت تبدو وكأنها ثكنة عسكرية، ذكرتني بآخر أيام حكم الرئيس مبارك، عندما كنت أذهب إلى قصر الاتحادية، مقر الرئاسة في حي مصر الجديدة. كانت هناك حواجز، وكنا نسير في طرق التفافية حتى نصل إلى البوابة التي تمكننا من الدخول.
كانت الإجراءات الأمنية مكثفة وغير مسبوقة؛ رجال الأمن والشرطة ينتشرون على طول المسار، ويقيمون حواجز أمنية ومسارات طويلة لتنظيم حركة المشاة والمارة. وفي حديث سريع مع أحد رجال الأمن، قلت له: «أحضر كل عام، ولكنني لم أرَ مثل هذه الترتيبات والدقة من قبل!». فأجابني بابتسامة: «هذه السنة ليست كأي سنة أخرى!». عبارة استحضرت في ذهني فورًا صورًا وذكريات من أيام ثورة يناير 2011.
عزلة المنطقة والتحديات اللوجستية
كان الاستنفار الأمني غير المسبوق يمتد على طول المربع المحيط بالفنادق ومقر الأمم المتحدة، حيث كانت المنطقة بأكملها أشبه بمنطقة مغلقة تمامًا، لا تحمل أي مظاهر لحركة طبيعية إلا ما يخص الأمم المتحدة أو الوفود الرسمية. حتى حركة المرور شُلّت كليًا؛ وعندما حاولت ركوب سيارة تاكسي، رفض السائق التوجه إلى المنطقة بسبب إغلاق الطرقات.
شملت هذه الترتيبات أيضًا ارتفاعًا هائلًا وغير مسبوق في أسعار الفنادق المقابلة للمقر أو القريبة منه. حتى الفنادق الكبرى، مثل فندق Lotte New York Palace، الذي كان يستضيف فيه الرئيس الأمريكي ترامب حفل استقبال لرؤساء الوفود المشاركة، تبلغ فيه تكلفة الغرفة العادية أكثر من 1000 دولار لليلة.
وهناك تحدثت مع مسؤولة علاقات الضيوف (Guest Relations) عن أسعار الغرف خلال هذه الفترة. أخبرتني أن هناك أسعارًا خاصة للوفود الرسمية والدبلوماسيين والصحافيين، وأن سعر الغرفة العادية يصل إلى نحو 1050 دولارًا لليلة، فضلًا عن تكاليف إضافية، من بينها الإفطار الذي يبلغ 24.40 دولارًا.
ثم لفتت انتباهي إلى نقطة اعتبرتها هي ميزة مهمة: «الواي فاي مجاني!». فأجبتها ساخرة:
«الحقيقة… عرض مغرٍ!».
وبالرغم من ذلك، قابلت وفودًا صحفية كبيرة من دول عديدة تعاني من أزمات مالية أو أزمات في الدولار، يقيم أفرادها في هذا الفندق، في مشهد يعكس حرص الجميع على التواجد والتغطية في هذا المحفل العالمي، وما يجمعه من تناقضات بين السياسة الميدانية وكواليسها الخلفية.
أما بالنسبة لي، فأمام هذا الارتفاع الكبير في أسعار الإقامة، قررت ألا أبيت في نيويورك، وأن أعود في الليلة نفسها إلى واشنطن. حجزت تذكرة القطار، وغادرت قبل منتصف الليل.
ولم يكن القطار رخيصًا هو الآخر، لكنني كنت أرى أن ما عايشته من مشاهد وانطباعات خلال الساعات التي قضيتها هناك يستحق.
خاتمة: ما يبقى بعد إغلاق الأبواب
بعض الرحلات تنتهي عندما نعود إلى المنزل، وبعضها يبدأ تأثيرها الحقيقي بعد العودة.
ورحلتي إلى الأمم المتحدة كانت من النوع الثاني.
فقد عدت إلى واشنطن في منتصف الليل، لكنني لم أعد بالأفكار نفسها التي ذهبت بها. حملت معي صور الحواجز الأمنية في شرق مانهاتن، وازدحام الوفود، وأحاديث عابرة، وتفاصيل الفنادق، ورحلة القطار، والأهم من ذلك كله، أسئلة كثيرة عن العلاقة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يقال تحت قبة الأمم المتحدة وما يحدث خارجها.
ربما كانت هذه هي القيمة الحقيقية للرحلة بالنسبة لي: أن أرى المشهد لا من مقاعد المتابعين، وإنما من داخله، ولو لساعات قليلة.
وعندما غادرت نيويورك، لم يكن السؤال الذي ظل يرافقني هو: ماذا قال الزعماء في خطاباتهم؟ وإنما سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
ماذا يبقى من كل هذه الكلمات عندما تنتهي الجلسات، وتُغلق الأبواب، وتعود الوفود إلى بلادها؟
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
