لم يأتِ فيلم «نازا» أو «خسائر جانبية» بجديد لأهل غزة ؛ فهم عاشوا الإبادة لحظة بلحظة، ورأوا كيف يُحوَّل الفلسطيني إلى رقم قبل أن يُمحى. لكن قيمته أنه يضع أمام العالم شهادة من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها: الضربات نُفّذت مع معرفة مسبقة بحجم الأضرار المدنية، والمدني لم يكن «خسارة جانبية»، بل هدفًا محسوبًا سلفًا. ما جرى لم يكن أخطاءً عسكرية؛ كانت خيارات واعية سبقتها تقديرات دقيقة، ما يعزز الأدلة على ارتكاب الإبادة الجماعية، ويجعل «نازا» شهادة يجب استثمارها.

وإذا كان هذا هو موقع الفلسطيني في الحسابات الإسرائيلية، فأين كان موقعه في حسابات قرار 7 أكتوبر وما تلاه من قرارات الحرب والمفاوضات؟

خلال حرب الإبادة، استخدمت الفصائل تعبير «خسائر تكتيكية»، واستخدمت إسرائيل تعبير «خسائر جانبية». الأولى تُقدَّم بوصفها كلفة محتملة لتحقيق هدف عسكري، والثانية بوصفها أثرًا متوقعًا للعملية. لكن اختلاف التوصيف لا يجعل الخسارة مقبولة؛ لا من إسرائيل ولا من الفصائل. فلسطينيًا لا يكفي أن نقول إننا ندفع الثمن؛ علينا أن نعرف ماذا نحقق بهذا الثمن.

وحين يُقال إن القتال تحول إلى «حرب استنزاف»: استنزاف مَنْ ولمَنْ؟ وهل كانت الفصائل تعرف فعلًا ماذا يعني أن تستمر الإبادة؟ المعيار ليس القدرة على الصمود، بل ما إذا كان يقرّبنا من الهدف أم يبعدنا عنه.

الإنسان الفلسطيني ليس رقمًا يُرحَّل مِن خيار إلى آخر. ومَن يتخذ قرارًا باسمه، عليه أن يشرح لماذا، وإلى أين يقود قراره، وأن يقبل بالمراجعة والمساءلة. ولا يوجد ما يبرر رفضها بحجة الظروف الاستثنائية أو وحدة الصف.

مسؤولية الاحتلال قائمة، ولا يمكن تبريرها أو تخفيفها. لكنها لا تلغي مسؤولية مَن اتخذ القرار؛ فالمسؤوليتان قائمتان، ولا تلغي إحداهما الأخرى. وكلما كان الثمن الذي يدفعه الفلسطيني أكبر، كانت مساءلة القرار أكثر إلحاحًا؛ فلا قرار فوق المساءلة. ومن قرر الاستمرار، عليه ألا يحوّل التضحيات والصمود إلى غطاء لقراره أو لبقائه السياسي.

كشف «نازا» كيف حُسب الفلسطيني في غرف العمليات الإسرائيلية؛ فمَن يكشف كيف حُسب في غرف القرار الفصائلي؟

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد