كان "ميناء الصيادين" في غزة أكثر من مجرد مساحة لرسو القوارب الصغيرة، كان فضاءً إنسانياً مفتوحاً على الأمل والحلم معاً، وملاذاً يومياً يلجأ إليه الناس حين تضيق بهم الحياة، وحين تحلو بعيون العشاق. هناك، عند اللسان البحري الممتد في قلب البحر والذي أسماه الغزيون المحاصرون "ميناء"، كانت الحكايات تُنسج بهدوء وبساطة، وتُروى دون كلمات، عبر حركة الموج وصمت الأفق، حيث يمتزج صوت الماء بنداءات الصيادين وقواربهم التي تحتضن اللسان البحري بدفء منسجم مع وقع الخطى المتعبة للباحثين عن لحظة سلام.
شكّل الميناء خلال سنوات الحصار الطويلة متنفساً حقيقياً لأهالي غزة، بمختلف أعمارهم وهمومهم. فالصيادون وجدوا فيه مصدر رزقهم وامتداد هويتهم، حيث تبدأ رحلتهم مع الغروب حين يكون البحر ساكناً كطفلٍ نائم في حضن أمه النافر، وتنتهي مع الفجر وقد حملوا معهم ما تيسّر من رزق، فلم الصيد مجرد عمل، بل علاقة تاريخية عميقة بين الإنسان الغزّي والبحر، علاقة تقوم على الصبر، والمجازفة، والإيمان بأن البحر، مهما قسا، قد يمنح في لحظةٍ ما عجزت عنه الأرض.
أما العُشاق، فقد وجدوا في الميناء زاويةً آمنة للبوح، بعيداً عن ضجيج الحياة وقسوتها. كانوا يجلسون على حافته، يراقبون الأفق، ويتحدثون بصوتٍ خافت، كأنهم يخشون أن تسرق الريح كلماتهم. وكان الأطفال يركضون على اللسان البحري ببراءةٍ لا تعرف الخوف، يطاردون الموج ويضحكون، في مشهدٍ يختصر الحياة حين تكون بسيطة وخفيفة. حتى كبار السن، كانوا يقصدون المكان ليجلسوا بصمت، يراقبون البحر كمن يقرأ كتاباً قديماً لا يملّ من تكراره.
تميّز الميناء "اللسان البحري" بجماليته البسيطة، حيث تصطف القوارب الخشبية الصغيرة على جانبيه في لوحةٍ بحرية متجددة، لا تحتاج إلى زينة لتكون جميلة. وكان اللسان البحري، الممتد داخل الماء، أشبه بجسرٍ بين اليابسة واللاحدود، يمشي عليه الناس ليقتربوا قليلاً من اتساع البحر، وكأنهم بذلك يوسّعون صدورهم بما يكفي لتحمّل ما تبقى من يومهم.
يتجلّى جمال مسجد الحساينة بطرازه المعماري المميز والأنيق، رابضاً عند مدخل الميناء كأنه حارسٌ للذاكرة والموج. وتنهض المنارة في منتصف اللسان البحري ببعدٍ تشكيلي لافت، تضيف إلى المكان ملامح فنية مميزة. وعلى امتداد المشهد، تنتشر الأكشاك الملوّنة، تعجّ بالمأكولات الخفيفة والترمس والحلوى، لتُكمل لوحةً نابضة بالحياة، صنعت معًا جمالياتٍ بهيّة لا تُنسى.
في ذلك المكان، كان الناس يهربون من وجعهم اليومي، من الحصار وضيق الحال، ليجدوا في البحر فسحةً مؤقتة للراحة. كان البحر، رغم كل شيء، أكثر رحمةً من الواقع، وأكثر اتساعاً من الجدران التي تحاصر المدينة. كان صديقاً صامتًا، لكنه صادق، يمنح دون أن يسأل، ويحتوي دون أن يحاكم.
غير أن هذا المشهد لم يبقَ كما هو. فبعد ما شهدته غزة من دمارٍ واسع، تغيّرت ملامح الميناء بشكلٍ مؤلم وعميق. لم تعد القوارب تصطف كما كانت، ولا الأصوات تعلو بالحياة. حلّ الصمت مكان الضجيج، وغابت الضحكات التي كانت تملأ المكان. تحوّل “ميناء الصيادين” من مساحةٍ للراحة إلى مساحةٍ للنجاة، ومن ملاذٍ مؤقت إلى مأوى خيام دائم لمن فقدوا بيوتهم.
اليوم، تقف خيام النازحين حيث كانت القوارب، وتتمدد على امتداد المكان الذي كان يوماً نابضاً بالحياة. وجوهٌ متعبة، وعيونٌ مثقلة بالحزن، تحاول أن تتأقلم مع واقعٍ لم تختره. الأطفال الذين كانوا يركضون بحرية، باتوا يلعبون قرب خيامهم، بضحكاتٍ خافتة، كأنها تخشى أن تزعج الحزن. حتى البحر نفسه، يبدو كأنه تغيّر، أو لعل نظرتنا إليه هي التي تغيّرت؛ صار أكثر صمتًا، وأكثر حزنًا، كأنه يشارك الناس فقدهم.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
