لا تظن مطلقاً أن القرب من مراكز القرار يمنحك حصانة تلقائية، ففي عالم السياسة والأمن، تُحسب الأمور بموازين مختلفة تماماً.
ففي لحظة خاطفة، قد تجد نفسك مقيماً في فندق وقد رُفعت على واجهته اسم مسؤول لتمويه المستهدفين المحتملين، أو متروكاً على متن طائرة رسمية ليصبح وجودك جزءاً من غطاء تمويهي يحمي مسؤولا مستهدفا.
العمل في الصحافة ليس مجرد تغطية إعلامية للحدث أو مقعد في قاعة مؤتمرات، بل رحلة طويلة في كواليس السلطة، إنها مهنة قد تجعلك تعيش الخطر وجهاً لوجه، وتدرك في لحظات مفصلية كيف تُدار الحسابات الأمنية بمنطق مختلف عن الحسابات الإنسانية والمهنية.
ولعل خير مثال على ذلك، ما تردد مؤخراً بشأن واقعة نقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سراً من مطار أنقرة في 8 يوليو الماضي، باستخدام شاحنة طعام لتموين الأغذية (Catering Truck)، عندما أُخرج لنقله إلى طائرة أخرى، بينما بقي الفريق الصحفي والمستشارون والمرافقون على متن الطائرة الرئاسية الأساسية (أير فورس وان)، من دون علمهم بأن الرئيس غادرها، لتتحول الطائرة التي تقلهم إلى جزء من عملية التمويه.
وبغض النظر عن تفاصيل تلك الواقعة وتفسيراتها، فإنها أعادت إلى ذاكرتي، خلال عملي الصحفي، تجارب ميدانية عشتها على مدار عقود، وجعلتني أتساءل مجدداً: أين يقف الصحفي في الحسابات الأمنية عندما
يصبح وجوده جزءاً من المشهد؟
*بغداد.. فندق الخدعة والستائر المغلقة
أتذكر زيارة إلى بغداد عقب سقوط النظام، رافقنا خلالها السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك.
في تلك الزيارة، كان السيد عمرو موسى والوفد الدبلوماسي في مقر آمن ومحصن بالكامل داخل «المنطقة الخضراء»، بينما كنا نحن، الفريق الصحفي والمرافقون، ننام في فندق خارجي مكشوف وسط العاصمة العراقية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الفصل الأمني، بل عُلّقت على واجهة فندقنا لافتة ضخمة ترحب بالسيد عمرو موسى، بما يوحي لوسائل الإعلام والجماعات المسلحة، على حد سواء، بأن الفندق هو مقر إقامته الفعلي.
كنا نعيش حالة استنفار دائم؛ فقد صدرت إلينا تعليمات أمنية مشددة، من بينها إغلاق الستائر تماماً فور حلول الليل، وعدم إضاءة أنوار غرفنا ليلاً إلا للضرورة، وعدم الخروج إلى الشرفات، تجنباً لنيران القناصة أو أي استهداف مباشر.
وفي اليوم الأخير من الزيارة، وأثناء وجودنا في السليمانية، التفتُّ إلى السيد عمرو موسى ومرافقه الأمني، وسألت عن سر وضع لافتة باسم المسؤول على فندق لا يقيم فيه، بينما ننام نحن داخله.
جاءني رد المرافق الأمني مبتسماً، وبشيء من الزهو، ومن دون مواربة: «كان ذلك تمويهاً مقصوداً لحمايته وتغطية مكان إقامته الحقيقي».
في تلك اللحظة، بدا لنا، ببساطة، أن وجودنا في الفندق كان جزءاً من عملية التمويه؛ وأننا، من دون أن نكون طرفاً في القرار، أصبحنا جزءاً من الغطاء الذي أخفى مكان إقامة الهدف الحقيقي.
* شرم الشيخ.. حين يعرف المسؤول
على مدار أكثر من 17 عاماً من تغطيتي الصحفية لمؤسسة الرئاسة المصرية خلال عهد الرئيس حسني مبارك، وتحديداً في المؤتمرات المتتالية التي كانت تُعقد في شرم الشيخ، ترسخت لديّ حقيقة مفادها أن جهاز الأمن يعمل، في كثير من الأحيان، بعقلية حماية «الهدف الرئيسي» أولاً، متصرفاً بيد عليا قد لا يعلم تفاصيلها حتى المسؤول نفسه.
وبالنسبة إلى الحرس والأمن، كان الصحفيون جزءاً من ترتيبات تغطية الحدث، يُستدعون عند الحاجة، وحين تنتهي المهمة، يُترك الجميع لتدبر أمر عودتهم.
لكن المشهد لم يكن مظلماً بالكامل، بل كان يحمل تناقضات تكشف الفارق بين رتابة الإجراءات الأمنية وحس المسؤول نفسه.
أذكر في إحدى المرات، في شرم الشيخ، أننا كنا نجلس مع الرئيس مبارك، فسألنا ببساطة:
«إنتوا هتسافروا إمتى؟»
فرددت عليه مباشرة:
«إحنا مضطرين نستنى ونسافر بالليل متأخر علشان ميعاد الطيارة».
فور سماعه ذلك، أصدر تعليمات مباشرة ومستعجلة بحجز طائرة خاصة من طائرات الرئاسة لنقل الصحفيين الذين يرغبون في العودة إلى القاهرة.
كان الموقف بالنسبة إليّ كاشفاً، فالمشكلة لم تكن دائماً في غياب الرعاية، بقدر ما كانت أحياناً في أن التفاصيل لا تصل إلى صاحب القرار. وما إن عرف بها حتى تغير الأمر في لحظته.
*أولبرايت.. حين لا يكون الصحفي هامشياً
وفي شرم الشيخ نفسها، شهدت موقفاً آخر ظل عالقاً في ذاكرتي، وأثبت لي أن التعامل مع الصحفي قد يكون ثقافة قيادية قبل أن يكون مجرد إجراء أمني.
في أحد المؤتمرات، وبعد انتهاء المؤتمر الصحفي وفراغ المبنى تقريباً من الوفود، لفت نظري بقاء وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مادلين أولبرايت، جالسة في إحدى القاعات ومنتظرة.
وعندما تساءلت بدهشة عن سبب انتظارها في مبنى أوشك على الإغلاق، جاءتني الإجابة:
"إنها تنتظر الوفد الصحفي الأمريكي المرافق لها حتى ينهي عمله ويرسل تغطيته، ليرحلوا جميعاً معاً".
ورغم مآخذي على السيدة أولبرايت، فإن هذا الموقف ظل فارقاً في ذاكرتي، فقد لخص الفارق بين من يتعامل مع الصحفي باعتباره عنصراً هامشياً، وبين من يراه جزءاً أصيلاً من الوفد، لا يمكن إهماله أو تركه خلف الظهر.
وبعيداً عن ترتيبات المنظومة السلطوية وحساباتها الأمنية، فإن الصحفي المتمرس يتقن التعامل مع ترتيبات "السلطة الرابعة".
فسواء ما حدث مؤخراً في أنقرة مع ترامب، أو ما شهدناه سابقاً في بغداد مع عمرو موسى، يتضح أن الصحافة مهنة قد تضعنا في قلب الخطر، وتجعلنا أحياناً جزءاً من تدابير الأمن؛ وربما هذا هو السبب الرئيسي لوصفها بـ"مهنة المتاعب".
لكنها في المقابل تمنحنا امتيازاً استثنائياً: قوة الوصول إلى أعلى رؤوس السلطة ودوائر صنع القرار، وقدرتنا على مساءلة من يملكون أقصى درجات القوة -حين نمارسها بمهنية وشجاعة- .. كما حدث مع الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي استقال على خلفية فضيحة «ووترغيت» التي كشفتها الصحافة، بالرغم من أنه كان ولا يزال واحداً من أقوى الرؤساء الأمريكيين.
وهكذا، قد يجد الصحفي نفسه في لحظة «طُعماً» في حسابات الأمن، لكنه يظل في لحظة أخرى «عيناً» على السلطة، وتلك- في تقديري- واحدة من أكثر مفارقات "مهنة المتاعب" إثارة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
