ليس من الصعب التعامل مع استطلاع الرأي الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية باعتباره مجرد أرقام جديدة في سلسلة استطلاعات الرأي العام. لكن أهمية الاستطلاع رقم (97)، الذي أُجري بين 5 و8 أغسطس/آب الجاري وشمل 1270 شخصًا في الضفة الغربية وقطاع غزة ، تتجاوز الفروق بين نسب التأييد لهذا الفصيل أو ذاك. فهو يلتقط، في تقديري، إعادة تشكل المزاج الشعبي الفلسطيني بعد حرب غزة، وتآكل الثقة بالنظام السياسي القائم، والبحث عن مخرج يتجاوز الثنائية التي حكمت الحياة السياسية طوال العقدين الماضيين.
وبالرغم من أن الاستطلاعات لا يمكن أن تكون مرآة كاملة للمجتمع، فإن هذا الاستطلاع يوفر قراءة ملموسة لاتجاهات يصعب تجاهلها، خصوصًا أنه جاء بعد الحرب وتداعياتها، وتصاعد الاستيطان وإرهاب المستوطنين، وأزمة السلطة والقيادة، وبعد تحديد موعد الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
تراجع حماس دون صعود فتح
أبرز ما يلفت هو تراجع تأييد حماس من 35% قبل عشرة أشهر إلى 24%، فيما بقيت فتح عند 24%. وبين الناخبين المرجح مشاركتهم في الانتخابات، تحصل فتح على 32% مقابل 29% لحماس و18% للقوى الثالثة. لكن اختزال هذه الأرقام في أن حماس تتراجع وفتح تحتفظ بموقعها سيكون قراءة ناقصة.
فلو كان الجمهور ينتقل ببساطة من حماس إلى فتح، لكان تراجع الأولى انعكس ارتفاعًا في الثانية. وهذا لم يحدث. والأهم أن 44% يقولون إن لا حماس ولا فتح تستحقان قيادة الشعب الفلسطيني. وهذه النتيجة أهم من الفارق بين الفصيلين، لأنها تشير إلى أن قطاعًا واسعًا من الجمهور لا يبحث عن تبديل طرف بآخر، وإنما عن بديل للنهج السياسي الذي حكم الحياة الفلسطينية.
ومن هنا يمكن فهم تقدم مروان البرغوثي في أسئلة الرئاسة، ليس بالضرورة باعتباره انتصارًا لفتح، بل تعبيرًا عن البحث عن شخصية وطنية تتجاوز الاستقطاب التنظيمي والانقسامي، وتحمل رمزية الانتفاضة والمقاومة وإرادة الوحدة والسجن والشرعية الشعبية.
بين المقاومة وفاعلية الوسائل
التحول الآخر يتعلق بنظرة الجمهور إلى حرب غزة. فلم يعد سوى 20% يرون أن حماس خرجت منتصرة من الحرب، بينما يرى 60% أن أيًا من الطرفين لم ينتصر، وانخفض الرضا عن أداء حماس خلال الحرب من 60% إلى 42%.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن المقاومة أو الحقوق الوطنية. فـ72% يعارضون نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، ويرون أن نزع السلاح في هذه المرحلة قد يؤدي إلى عودة حرب الإبادة. وفي المقابل، ارتفع تأييد المفاوضات إلى 44%، مقابل تراجع تأييد العمل المسلح بوصفه الوسيلة الأكثر فاعلية إلى 27%.
المعنى الأرجح أن الجمهور بدأ يميز بين التمسك بالحقوق الوطنية والمقاومة من جهة، وبين تقييم فاعلية الوسائل المستخدمة لتحقيقها من جهة أخرى. فالحرب، بما خلفته من دمار هائل، دفعت قطاعات متزايدة إلى البحث عن الطريق الأكثر قدرة على تحويل التضحيات إلى نتائج سياسية، من دون التخلي عن عناصر القوة الوطنية.
أزمة تتجاوز حماس وفتح
إذا كان تراجع حماس لا يعني صعود فتح، فإن جزءًا من التفسير يكمن في أن الأزمة أصبحت تمس السلطة والقيادة نفسيهما. فـ79% يريدون استقالة محمود عباس ، و83% يرون أن الفساد موجود في مؤسسات السلطة، و65% يصفون السلطة بأنها عبء على الشعب الفلسطيني، فيما لا يشعر بالأمن والسلامة الشخصية والأسرية سوى 23%.
هذه ليست مجرد أرقام تعكس عدم الرضا عن حكومة أو رئيس، بل مؤشرات على أزمة ثقة عميقة في المؤسسة السياسية ذاتها. وعندما يطالب أربعة أخماس الجمهور تقريبًا باستقالة الرئيس، ولا تنتقل الكتلة الرافضة تلقائيًا إلى فتح، فإن الرسالة تتجاوز تغيير الشخص إلى تغيير طريقة إنتاج القيادة وممارسة الحكم ومساءلة المؤسسات.
ومن هنا يصبح الإصلاح السياسي، لا الإداري والمالي فقط، شرطًا لاستعادة الشرعية. فالسلطة أعلنت برنامجًا للإصلاح يتناول سيادة القانون والنزاهة والشفافية ومحاربة الفساد وإعادة هيكلة المؤسسات وتوحيدها، لكن السؤال الأهم يبقى: من يقوم بالإصلاح، وبأي شرعية، وتحت أي رقابة، ومدى الثقة الشعبية بذلك؟
إذا كان 79% يريدون استقالة الرئيس، و65% يرون السلطة عبئًا، و83% يرون الفساد موجودًا في مؤسساتها، فإن الإصلاح من أعلى لن يكون كافيًا لاستعادة الثقة. المطلوب إصلاح يطال مصدر الشرعية وآليات المساءلة وتداول السلطة، وتصبح الانتخابات، إذا أُجريت بشروط صحيحة، جزءًا من هذا الإصلاح لا بديلًا عنه.
الانتخابات: فرصة للتغيير أم إعادة إنتاج الأزمة؟
المفارقة أن 49% فقط يعتقدون أن الانتخابات التشريعية ستجري في موعدها، بينما لا يعتقد نحو ثلثي الجمهور أنها ستكون حرة ونزيهة. ومع ذلك، يؤيد 54% إجراءها حتى إذا منعت إسرائيل التصويت في القدس الشرقية، بحيث يتمكن المقدسيون من التصويت في مراكز أخرى.
وهنا تكمن فرصة لا ينبغي إهدارها. فالانتخابات يمكن أن تكون وسيلة لتجديد الشرعية، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية المتقادمة. والفارق لا يكمن في يوم الاقتراع وحده، بل في البيئة التي تسبقه، وقدرة الجميع على المشاركة، ونزاهة العملية واحترام نتائجها.
إذا لم تُستثنَ غزة، وأتيح للفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس المشاركة الفعلية، ولم تُفرض شروط سياسية تستبعد قوى أو قوائم بعينها، وكانت المنافسة حرة والفرز شفافًا والنتائج محترمة، فإن الانتخابات يمكن أن تصبح محطة جدية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
أما إذا تحولت إلى انتخابات تجري في جزء من الوطن، أو استُخدمت لاستبعاد الخصوم، أو جرى التحكم في شروط الترشح ونتائجها، فلن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة التي يكشفها الاستطلاع.
واللافت أن ثلثي الفلسطينيين يعارضون اشتراط قبول التزامات منظمة التحرير والاتفاقات مع إسرائيل كشرط للترشح. كما أن أولويات الجمهور تبدأ بتوحيد الضفة وغزة، ووقف القتل وحرب الإبادة في غزة، وتحسين الوضع الاقتصادي، وإعادة الإعمار، والتصدي لعنف وإرهاب المستوطنين ومحاربة الفساد. أي أن الجمهور لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد اختيار نواب، بل كمدخل لمعالجة الأزمة الوطنية نفسها.
من المزاج الشعبي إلى الكتلة التاريخية
ربما تكون الرسالة الأهم في الاستطلاع أن الفلسطينيين لا يتحركون ببساطة من حماس إلى فتح، ولا من المقاومة إلى التسوية، بل يبتعدون، بدرجات متفاوتة، عن الثقة بالنظام السياسي القائم كله.
تتراجع حماس، لكن فتح لا تستعيد موقعها. ويتراجع تأييد العمل المسلح بوصفه الخيار الأكثر فاعلية، لكن التمسك بالحقوق الوطنية ورفض الاحتلال ونزع سلاح حماس قبل الانسحاب يبقى قويًا. ويزداد التأييد للمفاوضات، بينما تبقى الثقة بقدرتها على تحقيق حل الدولتين ضعيفة. وفي المقابل، يتزايد البحث عن شخصية وطنية عابرة للاستقطاب، وتتراجع الثقة بالقيادة الحالية.
المشكلة إذن ليست غياب الرغبة الشعبية في التغيير، بل غياب الصيغة السياسية القادرة على تحويل هذا المزاج إلى قوة منظمة. وهنا تبرز أهمية تشكيل تكتل انتخابي عريض من القوى والشخصيات التي تلتقي على ضرورة التغيير انطلاقًا من الأسس الوطنية والسياسية المشتركة، وخاصة وقف الإبادة في القطاع، والنضال الموحد لإسقاط مخطط التهجير وضمان الإعمار في سياق وحدة الكيانية الوطنية، وحماية الحقوق الوطنية، ومواجهة مشاريع الضم والتهجير والاستيطان، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة والمساءلة والاحتكام إلى الشعب.
ولا ينبغي أن تتوقف أهمية التكتل عند حدود الانتخابات؛ فالتكتل الانتخابي هو الخطوة الأولى، بخوض الانتخابات بصيغة سياسية موحدة، لكنه ينبغي أن يتطور، عبر التجربة السياسية والنضال المشترك، إلى جبهة وطنية عريضة للإنقاذ والتغيير، منفتحة على كل القوى والاتجاهات والشخصيات التي تلتقي على هذه الأسس، من داخل حماس وفتح وخارجهما. ومن هذه الجبهة يمكن، تدريجيًا، بناء كتلة تاريخية سياسية واجتماعية قادرة على حمل مشروع التغيير الوطني والديمقراطي.
وبهذا المعنى، لا يكون الهدف استبدال الثنائية القائمة بثنائية جديدة، ولا جمع قوى متباينة في قائمة انتخابية عابرة، بل بناء قوة سياسية عريضة تحول المزاج الشعبي الراغب في التغيير إلى فعل سياسي منظم.
بين إجراء الانتخابات ونوايا تأجيلها
إذا مضت الانتخابات، فإن المطلوب من التكتل العريض المشاركة بصيغة سياسية موحدة، تجعل منها محطة لتأسيس هذه القوة الجديدة، والغاية أن تفتح الانتخابات مسارًا لإعادة بناء النظام السياسي على أساس احترام النتائج، والشراكة، وتوحيد المؤسسات، وتشكيل حكومة وطنية قادرة على العمل في الضفة وغزة، وإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها.
أما إذا أُلغيت الانتخابات، وهو احتمال وارد، فلا يجوز أن يتحول ذلك إلى تمديد للأمر الواقع. عندها ينبغي أن ينتقل التكتل الذي تشكل على أساس برنامجه المشترك إلى جبهة وطنية للإنقاذ والتغيير، تفتح أبوابها أمام كل من يلتقي على أسسها، وتعمل على بناء أوسع كتلة سياسية واجتماعية لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات، وإنهاء الانقسام، ووضع مسار وطني متوافق عليه لإجراء انتخابات حرة ونزيهة ضمن جدول زمني واضح.
وهكذا، لا تكون الانتخابات غاية في ذاتها، بل أداة لإعادة بناء الحياة السياسية؛ إن جرت، تصبح مدخلًا للتغيير؛ وإن أُلغيت، تزداد أهمية الشراكة التي نشأت حولها، بل تتحول إلى قوة سياسية تواصل العمل من أجل التغيير.
هل يتحول المزاج العام إلى قوة تغيير ؟
ما يكشفه الاستطلاع، في جوهره، أن المزاج الشعبي تجاوز، إلى حد بعيد، الثنائية التي اختزلت السياسة الفلسطينية في التنافس والاستقطاب الثنائي الانقسامي، وأن أزمة الشرعية باتت أعمق من أداء هذا الطرف أو ذاك.
لذلك لم يعد السؤال الأهم فقط؛ هل ستجري الانتخابات؟ بل، هل يستطيع الفلسطينيون تحويل الاستعداد الشعبي للتغيير إلى قوة سياسية وطنية منظمة، تستعيد المبادرة، وتحمي الحقوق الوطنية، وتواجه المخططات الإسرائيلية، وتعيد بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة والديمقراطية والمساءلة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي؛ بناء كتلة تاريخية سياسية وشعبية لا تكتفي باختيار من يحكم، بل تستعيد للشعب حقه في اختيار من يقود نضاله، ويستثمر تضحياته، من أجل العودة وتقرير المصير والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
