تحت خيمة متهالكة يعلوها غبار الركام، وتحت سقفٍ أُقيم لإنقاذ عقول أطفال غزة من مقصلة التجهيل، يسطّر مئات المعلمين والنشطاء أروع صور الصمود الشعبي وهم يقدمون علومهم بجهود تطوعية خضراء وبلا مقابل، غير أن هذا المشهد المشرف الذي ولد من رحم النزوح كفعل مقاومة وطنية وإنسانية، بدأ يواجه خطراً داخلياً يتسلل إلى ثناياه، محاولاً تحويل هذا الحق الأصيل إلى سلعة للتكسب والتربح، وإفراغ هذه التضحيات المجتمعية النبيلة من مضمونها الأخلاقي والتربوي.

 فلم يكتفِ العدوان المستمر على قطاع غزة بتدمير المدارس والجامعات وتحويل الصروح التعليمية إلى ركام، بل امتدت آثاره لتمسّ جوهر العملية التعليمية وفلسفتها الإنسانية، حيث ظهرت على هامش المبادرات العفوية محاولات لتسليع الواجب عبر فرض رسوم مالية مشروطة على عائلات لا تملك قوت يومها مقابل جلوس أطفالها على دكك الخيام، وهنا تبرز أهمية التمييز الجذري بين التكاليف التشغيلية الرمزية التي يضطر البعض لجمعها لتوفير الحد الأدنى من الأقلام والأوراق وأقمشة الخيام، وبين سلوكيات الاستغلال التجاري التي تجعل التعلم حكراً لمن يملك القدرة على الدفع، وتوهم الأهالي بوجود تعليم خاص مقنّع في قلب هذه الكارثة. 

إن هذا التحول ينطوي على تداعيات مجتمعية خطيرة، فهو لا يقتصر على تعميق الطبقية والتمييز الاجتماعي وحرمان الأطفال الأكثر فقراً، بل يمتد ليشوه صورة مئات المعلمين والمبادِرين الشرفاء والنشطاء أصحاب الضمائر الحية الذين يواصلون الليل بالنهار متطوعين دون أجر إيماناً بأن المعرفة حق لا يُباع ولا يُشترى، وهو ما يهدد بدفع آلاف الأسر المدمّرة مالياً إلى سحب أطفالها وتعميق أزمة التسرب المدرسي والأمية التراكمية. 

ولا تقف حدود هذه الأزمة عند الشق المالي أو الأخلاقي، بل تتجاوزها لتصطدم بالواقع البيئي والصحي والنفسي القاسي الذي يعيشه الطلبة داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات البيئة التعليمية في قسوة الصيف وبرد الشتاء، مع إغفال تام للحاجة الماسة لبرامج الدعم النفسي والاجتماعي لمساعدة الأطفال على تجاوز صدمات الحرب والتفجيرات، ويترافق هذا التدهور مع فوضى معايير الكفاءة والتأهيل التربوي لمن يتصدرون التدريس في بعض المبادرات، في مقابل إغفال الكوادر التعليمية المؤهلة، وغياب المناهج الموحدة المكيّفة مع ظروف الطوارئ، مما أدى إلى تفاوت معرفي حاد وفجوات دراسية عميقة. 

وفي الوقت الذي ينبغي فيه للمؤسسات الرسمية والأممية أن تكون صمام الأمان، امتدت المعاناة لتصل إلى المنظومة التعليمية المعتمدة لمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ( الأونروا )؛ حيث أثارت تجربة التعليم عن بعد والامتحانات الإلكترونية أزمة حقيقية فاقمت سخط الشارع، فبدلاً من مراعاة ظروف النزوح وانقطاع الاتصالات والكهرباء، تفاجأ الجميع بصدور نتائج وعلامات صادمة لا تعكس المستويات الحقيقية للطلبة، وفيها ظلم فادح للنجباء في تقييم رقمي جاف لا يتيح حق المراجعة أو الاعتراض، وتتجسد هذه المأساة بمرارة أكبر لدى الطلبة الملتحقين بالمبادرات والنقاط التعليمية الذين بذلوا جهوداً مضنية وحققوا نجاحاً وتقدماً واضحاً في الامتحانات الوجاهية داخل مراكزهم التعليمية، لتأتي علامات التقييم الرقمي بفجوة صدمت توقعاتهم وسلبتهم ثمرة تعبهم، مما أورثهم إحباطاً عميقاً وانعداماً للثقة بالمنظومة وما يقومون به، وسط غياب مظلة تنسيقية قيادية موحدة بين وزارة التربية والتعليم والأونروا واليونيسف لإدارة المشهد بمسؤولية. 

ولمواجهة هذا الانحراف والارتباك، تبرز الحاجة الملحة لاتخاذ خطوات حازمة تبدأ بتفعيل الحوكمة والرقابة المجتمعية عبر لجان شعبية تعزز المبادرات النزيهة وتكافح الاستغلال، بالتوازي مع مطالبة الأونروا بمراجعة فورية لآليات التقييم الرقمية لإنصاف المتضررين، وتوفير بدائل إعاشة وتغطية نفقات التشغيل للمعلمين والخيام التعليمية عبر المؤسسات الإغاثية لمنع تحميل الأهالي أي أعباء، كما يتوجب بناء مظلة تنسيقية لإطلاق حقيبة تعليمية طارئة تدمج الدعم النفسي بالتعليم وتراعي صحة الأطفال وكرامتهم، بالتزام تام بإطلاق ميثاق شرف يضمن المجانية الشاملة للتعليم ويصون كرامة المتطوعين كرمز للصمود. 

أخيرا إن إنقاذ المستقبل التعليمي في غزة يتطلب رؤية وطنية ومؤسسية جامعة؛ ترتكز على إعلان المجانية المطلقة للتعليم كحق أصيل يُحظر فيه التكسب، وفرض إجراءات عقابية حاسمة على كل من يحاول التربح من وراء هذا الحق الإنساني، وتطبيق أقصى معايير العدالة والشفافية في التقييم الأكاديمي وخاصة المرتبط بالدراسة عن بُعد إلكترونياً، مع دعم وصون كرامة المعلمين والنشطاء الشرفاء الذين يقفون في ثغور المعرفة؛ فمعركة حماية عقول أطفالنا لا تقل أهمية عن حماية أرواحهم، والعبور نحو الغد يتطلب بناء منظومة عادلة وصليبة تجعل من المعرفة سلاحاً للصمود لا سلعة للربح أو ضحية للقرارات المجحفة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد