بينما يعتقد الرئيس ترامب، وتيار «ماغا» الذي يرفع شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجددا»، إن سياسته المتبعة، ستعيد للبلاد أمجاد الهيمنة وتعزيز سياسة القطب الأوحد، فإن هذه السياسة ذاتها تضعف الحلم الأميركي، وتعرضه للانهيار لصالح عالم جديد متعدد الأقطاب، فالولايات المتحدة في عهد ترامب تواصل سياساتها ومواقفها التي تقوض النظام السابق الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال استهداف منظومات القانون الدولي، ومؤسسات الأمم المتحدة.
فأميركا، انسحبت من اتفاقية المناخ، ومن منظمة الصحة العالمية، وأوقفت دعمها للأونروا، وتمارس مواقف مترددة تجاه الأونسكو، ومنظمة حقوق الإنسان، وتعمل كل الوقت لتقويض مؤسسات العدالة الدولية، وعناوينها الرئيسة محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية.
تشن الإدارة الأميركية الراهنة، أو أنها تواصل ما كانت تقوم به إدارة بايدن، التي أدارت حرباً ضروساً على كل ما ومن له علاقة بحقوق الإنسان، أو تطبيق العدالة الدولية.
وتعرضت فرانشيسكا ألبانيز، المفوضة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لحملات من الضغط الشديد، والتهديد لأسرتها من قبل الإدارة الأميركية وإسرائيل، على خلفية مواقفها الشجاعة وتقاريرها الموضوعية التي أدانت بوضوح جرائم الاحتلال، وحرب الإبادة والتجويع، وطالبت المجتمع الدولي بالمحاسبة.
وكما أنها كانت هدفاً للتهديدات والضغوط الهائلة التي لا تتوقف فإنها كانت نموذجاً ملهماً، حيث لم تبد أي استعداد للتراجع، أو الاستسلام، بل صعدت من مواقفها، وواصلت إصدار التقارير وحاربت على جبهة القضاء الأميركي.
المدعي العام للجنائية الدولية البريطاني كريم خان، كان بطلا لدى الإدارة الأميركية، وأوروبا الغربية وإسرائيل حين اصدر مذكرة
بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقط بعد اشهر قليلة من الحرب في أوكرانيا، غير أن هذا البطل تحول إلى مجرم يستحق الإقالة بعد أن أصدر مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، بعد أشهر طويلة من حربهما الإبادية في قطاع غزة .
كان كريم خان قد تعرض قبل إقالته، لضغوط وتهديدات لمراجعة والتراجع عن قراره بشأن مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالات، ولكن حين فشلت تلك المحاولات، كان لا بد من تدبير مؤامرة أخلاقية ترافقت مع جهود جبارة من قبل وزارتي الخارجية الأميركية والإسرائيلية لإقناع أو إرغام، عديد الدول للتصويت إلى جانب قرار إقالته.
لم يتوقف الأمر عند ما تعرض له كريم خان بل إن الولايات المتحدة، اتخذت عقوبات بحق عدد من قضاة المحكمة الجنائية، لا تتوقف عند حدود منعهم من دخول الولايات المتحدة، وإنما للمساس بمصادر أرزاقهم.
محكمة العدل الدولية، لم تكن بمنأى عن هذه الحرب، فلقد مارست الإدارة الأميركية ضغوطا هائلة على دولة جنوب إفريقيا لسحب ملف الجرائم الإسرائيلية وإقفال ملفها. لا يمكن تفسير هذه المماطلة وكل هذا التأخير من قبل قضاة محكمة العدل الدولية، لإصدار حكمها إزاء الجرائم الإسرائيلية، وبعد أن فشلت في إلزام إسرائيل بالتوجيهات التي اتخذتها المحكمة، دون ملاحظة الضغط الشديد الذي يتعرض له قضاتها.
منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، كانت هي الأخرى في عين العاصفة الأميركية الإسرائيلية، فبعد أن فشلت الدوائر الإسرائيلية في التحريض على تلك المنظمات واتهامها بالتحريض على الإرهاب لتجفيف مواردها وتمويلها الأوروبي، قامت الإدارة الأميركية، بحظرها جميعاً وتجميد أرصدتها، مؤسسة الضمير تعرضت لاتهامات بخدمة الإرهاب، أما مركز الميزان، ومؤسسة الحق، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن التهم غير واضحة، وكما ألبانيز، واصلت المؤسسات الأربع، عملها بالحد الممكن، في الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني وتقديم البيانات والأدلة، للجنائية الدولية، ومؤسسات العدالة الدولية الأخرى والسعي خلف تفعيل دور تلك المؤسسات في المساءلة، والمحاسبة.
المؤسسات الفلسطينية، ليس في أجندتها الاهتمام بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة، ولكن لأنها تقوم بدور فاعل وحقوقي في فضح الممارسات والسياسات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني، فقد كان ذلك السبب الرئيس والوحيد، الذي يقف خلف قرارات الإدارة الأميركية بحظرها، وتحطيم قدرتها على المواصلة.
في العام ٢٠٢٠ كان ترامب قد أصدر أمراً تنفيذياً ينتهك التعديل الأول للدستور، بشأن الموقف الفظ تجاه الجنائية الدولية، لكن قاضياً فدرالياً ألغى ذلك الأمر، قبل أن تلغيه إدارة الرئيس بايدن في ٢٠٢١.
وزارة الخارجية الأميركية، تبرر سلوكها تجاه الجنائية الدولية، بأنها تشكل تهديداً لسيادة الولايات المتحدة، وخشية أن تستهدف المحكمة إثارة قضايا ضد مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، خصوصاً في ملف حقوق الانسان خلال الغزو والاحتلال الأميركي لأفغانسان والعراق.
إن كانت كل المحاولات الخارجية، لم تنجح في صد الحرب الأميركية الإسرائيلية على منظومة حقوق الإنسان، ومؤسسات العدالة الدولية، بل إن هذه الحرب امتدت، بل ارتدت إلى الداخل الأميركي.
أربع منظمات حقوقية أميركية، هي: هيومان رايتس، ومعهد أوين سوسايتي ولجنة أميركان فريندز سيرفيس، ومركز الحقوق الدستورية، رفعت مؤخراً دعوى قضائية ضد إدارة الرئيس ترامب بسبب حملتها الرامية إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن أميركا وإسرائيل ليستا عضوين فيها.
المنظمات الأربع قالت إن العقوبات الأميركية تمنعها من العمل مع المحكمة سعياً لتحقيق العدالة في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في أنحاء العالم، وكانت هيومان رايتس ووتش قد أصدرت بيانات أكثر من مرة، تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة وجرائم بحق الإنسانية.
هكذا تهدم إدارة ترامب كل إمكانية لتحقيق هدف لنجعل أميركا عظيمة، حين ترتد كل سياساتها الظالمة خارجياً إلى الداخل الأميركي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
