عندما يأتيك النقد من غريب، يسهل عليك التشكيك فيه، لكن… ماذا لو كان من يقول لنا ما لا نريد سماعه واحدًا من أبنائنا؟
ماذا لو كان مصريًا، ولد لأبوين مصريين، ويحمل جذور هذا البلد، حتى وإن نشأ بعيدًا عنه؟
هل نهاجمه لأنه لمس جرحًا نتهرب جميعًا من الاقتراب منه، أم نسأل أنفسنا أولًا: هل المشكلة في كلامه… أم في الحقيقة التي كشفها؟
هنا تبدأ قصة الطبيب عبد الرحمن السيد، المعروف بـ«عبدول»، المرشح عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان.
ولد عبدول في أمريكا، لكن والده حرص طوال طفولته وصباه على إرساله إلى مصر ليعيش بين أهله، ويتعرف عن قرب إلى جذوره وواقع بلده.
وفي حديثه عن المسار الذي كان يمكن أن تسلكه حياته لو نشأ في مصر، قال عبدول إنه ربما كان سيجد نفسه اليوم سائق تاكسي.
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها ت فتح بابًا لعلامة استفهام كبرى. فالقضية ليست في مهنة «سائق التاكسي» — وهي بلا شك مهنة شريفة ومحترمة — وإنما في السؤال الأعمق:
هل كان سيختارها بإرادته، أم كان سيجد نفسه مضطرًا إليها؟
هذا السؤال أعاد إلى ذاكرتي حوارًا لا أنساه مع العالم المصري الكبير الدكتور فاروق الباز؛ حوارًا لم يتحدث فيه عن أمجاده العلمية فقط، بل حكى لي عن لحظة مؤلمة شعر فيها أن وطنه لا يعرف كيف يستفيد من علمه.
عاد الباز من الولايات المتحدة حاملاً الدكتوراه في الجيولوجيا وطموحًا كبيرًا لخدمة بلده، لكنه فوجئ بأن حكومة بلده، التي ابتعثته إلى الخارج للحصول على الدكتوراه في تخصص دقيق، عيّنته مدرسًا في معهد بمدينة السويس، في مجال لا يمت إلى تخصصه بصلة.
لكنه لم يستسلم، وبدأ رحلة شاقة وطويلة لطرق أبواب المسؤولين، لا طلبًا لامتياز، بل بحثًا عن حق طبيعي، خصوصًا أن دولته هي التي ابتعثته وأنفقت على تعليمه، ومن حقه أن يجد عند عودته المكان الذي يستطيع فيه أن يوظف علمه ويخدم وطنه.
حتى وصل به الأمر إلى الذهاب سيرًا على الأقدام إلى منزل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في منشية البكري، توفيرًا لأجرة الطريق، وكتب له رسالة سلّمها إلى الحرس، لعله يجد مخرجًا أخيرًا.
وأذكر أنه روى لي هذا المشهد الذي ما زال عالقًا في ذاكرتي: كان بلا وظيفة، وزوجته حامل، ولم يكن في جيبه سوى مبلغ زهيد، يمشي في شوارع القاهرة وكأنه يتجه إلى ملاذه وملجئه الأخير.
والأكثر إيلامًا أن التعيين كان مفروضًا عليه تحت طائلة القانون، لتدريس مادة لم يتخصص فيها.
تصور المفارقة: أن تبتعثك دولتك إلى الخارج، وتنفق عليك سنوات وأموالًا لتتخصص، ثم تعود لتفرض عليك وظيفة في غير موضعك، وتُجبر على تدريس مادة علمية بعيدة عن تخصصك!
ماذا يمكن لعالم متخصص أن يقدم لطلاب في مادة لم يدرسها ولم يتأهل لها؟ وماذا سيتعلم هؤلاء الطلاب على يد مدرس غير مؤهل للمادة التي يدرسها؟
هنا لا تهدر الدولة مستقبل عالم واحد فقط، بل تهدر أيضًا أموال ابتعاثه، وتحرم جيلًا كاملًا من الطلاب من حقهم في التتلمذ على يد أستاذ متخصص.
حاول الباز، وكتب للرئاسة، وسعى دون جدوى، حتى كان مخرجه الوحيد لإنقاذ مستقبله العلمي من الضياع أن يغادر لحضور مؤتمر في باريس، ومن هناك توجه إلى الولايات المتحدة، ولم يعد إلى مصر.
تلك ليست قصة الباز وحده؛ فقد روى لي أيضًا عن زميل له عاد من البعثة ليجد نفسه في مجال لا يمت إلى تخصصه بصلة، دون ترف الاختيار.
وهي المأساة ذاتها التي تتجلى اليوم في حديث «عبدول» بعد عقود؛ الجملة ذاتها، ولكن بصوت جيل جديد.
إن حديث عبدول ليس إهانة لمصر، بل فرصة لطرح السؤال الأكبر:
ماذا تفعل أوطاننا بأبنائها عندما تعجز عن استثمار كفاءاتهم؟
الموقف من حديث عبدول شهد انقسامًا بين مؤيد ومعارض في الداخل والخارج، لكن المشكلة تكمن في الحساسية المفرطة تجاه أي نقد، وكأن كشف الخلل أصبح إهانة للوطن!
فالغيرة الحقيقية على الوطن لا تعني الدفاع الأعمى عن كل سلبية، بل تعني امتلاك الشجاعة للاستماع إلى النقد، حتى عندما يكون مؤلمًا، ثم البحث عن طريق الإصلاح.
وهنا يجب أن نفصل بوضوح بين الوطن ومن يدير الوطن، فانتقاد سياسات الحكومة وكشف أوجه القصور ليس إهانة للوطن، بل هو حرص على أن يصل إلى المكانة التي يستحقها.
عبدول مصري الجذور، ومن حقه أن يتحدث عن مصر كما يراها. يمكننا أن نختلف معه، وأن ننتقده، لكن ليس من الإنصاف أن نقابل كلامه بهذا القدر من الهجوم، أو أن نصل إلى حد شيطنته لمجرد أنه قال ما لا نحب سماعه.
مصر لا تحتاج إلى من يجمل أخطاءها ويدّعي كمالها، بل تحتاج إلى حكومة تدرك أن الإنسان هو رأس مالها الحقيقي.
فالدول لا تتقدم بثرواتها الطبيعية فقط، بل بثروتها البشرية أيضًا؛ إذا أحسنت إعدادها، وتقديرها، ووضعت كل كفاءة في المكان الذي يناسب قدراتها.
وفي النهاية، أعود إلى السؤال الذي بدأت به:
لماذا نغضب ممن يقول لنا الحقيقة؟
ربما لأن الحقيقة تجبرنا على النظر في المرآة…
والمرآة لا تصنع العيوب، بل تكشفها.
فلا تحطموا المرآة لأن الصورة لا تعجبكم… أصلحوا الصورة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
