لطالما كرهتُ الطوابير. لا أعرف إن كانت لديّ مشكلة نفسية معها، أم أنني اكتشفت منذ طفولتي أن الانتظار نوعٌ آخر من العقاب.
في مخيم دير البلح للاجئين، كنت أكره طابور مركز التغذية الذي أنشأته وكالة الغوث للفقراء والضعفاء الذين لا يملكون ثمن الطعام. كنت أيضاً أكره طابور المدرسة أكثر، ذلك الصف الطويل من الأطفال الذين يتقدمون خطوة، ثم يتوقفون، ثم خطوة أخرى، حتى يأتي دورهم. يومها اكتشفت أنني لا أحب الانتظار، ولا أملك الصبر الكافي لأقف ساكناً بينما يمر الوقت من أمامي.
كبرتُ، وكبر معي كرهي للطوابير. كرهت طابور البنك، وطابور الكاشير في المحال التجارية، وكل مكانٍ يُطلب فيه أن أقف خلف الآخرين وأنتظر دوري.
ثم جاء طابور معبر رفح ، فصار للطابور معنى آخر. ساعات طويلة أقف فيها أنتظر الوصول إلى موظف يفحص جواز سفري، ويتفحص وجهي وعيني وشكلي، ثم أنتظر مرة أخرى كي أستعيد جوازي وأهرب من ذلك الضيق، كأنني أهرب من الطابور نفسه. كرهت طوابير المطارات، وذلك الموظف الذي يسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ ويفتش في أوراق السفر وكأن المسافر متهم حتى تثبت براءته.
حتى مطارات أوروبا لم تنجُ من كرهي. هناك أيضاً طوابير، يسمونها نظاماً، وأولوية، وتنظيماً. لكنهم يعرفون كيف يجمّلون الانتظار. إذا طال الطابور، جاءت عاملة شقراء تجر عربة صغيرة، توزع الماء والشوكولاتة والعصير، وتقول بابتسامة: "نحن آسفون على الانتظار". كنت أضحك وأقول: إنها ملهاة الغرب، يضعون قليلاً من السكر على مرارة الطابور.
لكن الحرب على غزة غيّرت كل شيء.
في غزة، لم تعد الطوابير مجرد أماكن ننتظر فيها دورنا، صارت الطوابير نفسها جزءاً من حياتنا. صرنا نقف طابوراً أمام المستشفى لنعالج جرحانا، وطابور أخر لنستلم جثمان شهيد، ثم نقف طابوراً آخر في المقبرة حتى يأتي دور الجنازة. صار للموت طابور.
أما الطابور الأكبر، والأطول، والأكثر مرارة، فكان طابور الخبز.
كنا نقف ساعات طويلة من أجل بضعة أرغفة. نقف تحت الشمس، تحت الخوف، تحت القصف، ولا نعرف إن كنا سنصل إلى آخر الطابور أم سيصل الطابور بنا إلى الموت. وفي طابور الماء، كنا ننتظر ساعتين أو أكثر من أجل جالون واحد؛ وحين يصل دورنا، نشعر بسعادة غريبة، لأننا سنعود إلى أطفالنا وفي أيدينا ماء.
هكذا تغيّر معنى الطابور في الحرب.
الطابور الذي كنت أبغضه صار أحيانا طابور النجاة. والطابور الذي كان يخنقني صار يمنحني رغيفاً، أو جالون ماء، أو فرصة للعودة إلى البيت.
ربما يكره الناس جميعاً الانتظار، لكن الغزي عرف الطابور على نحوٍ آخر. عرف أن تقف طويلاً لا يعني دائماً أنك ستصل؛ أحياناً يعني فقط أنك تحاول أن تبقى حياً.
نعم، حياتنا طوابير.
طابور للخبز، وطابور للماء، وطابور للموت، وطابور للنجاة، وطابور طويل لا نعرف أين ينتهي.
وحده الغزي يعرف أن أقسى الطوابير هي تلك التي تقف فيها، وأنت لا تعرف: هل تنتظر دورك في الحياة، أم تنتظر دورك في الموت؟
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
