عندما تستهدف مدرسة أو تسوّى جامعة بالأرض، فإن الخسارة لا تقاس بعدد المباني المهدمة أو القاعات الدراسية التي خرجت عن الخدمة، بل بحجم النزيف الذي يصيب المورد الأكثر قيمة في أي مجتمع، ألا وهو الإنسان. وفي غزة ، لم يعد تدمير التعليم مجرد أثر جانبي للحرب، بل تحول إلى ضربة مباشرة لرأس المال البشري، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وتنموية تمتد لعقود، وبينما ينشغل العالم بحساب كلفة إعادة إعمار الحجر، تبقى كلفة إعادة بناء الإنسان المتعلم هي الفاتورة الأكبر والأكثر تعقيداً.
وفق التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات في غزة الصادر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي في أبريل/ نيسان 2026، تقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى.
كما بلغت الأضرار المادية المباشرة 35.2 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى 22.7 مليار دولار، في وقت انكمش فيه اقتصاد غزة بنسبة 84%، وهو من أعنف الانهيارات الاقتصادية المسجلة في النزاعات المعاصرة.
هذه المؤشرات لا تعكس حجم الدمار فحسب، بل تكشف عن اقتصاد فقد جانباً كبيراً من قدرته على إنتاج المعرفة والمهارات وصناعة المستقبل.
وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن التعليم ليس قطاعاً خدمياً يمكن تعويضه بسهولة، بل هو البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد، فمن المدارس والجامعات تتشكل الكفاءات التي تقود قطاعات الصحة والهندسة والقضاء والإدارة والاقتصاد والبحث العلمي. وعندما تتوقف هذه المنظومة أو تتعرض للتدمير، فإن عملية إنتاج رأس المال البشري تتعطل، ويصبح التعافي الاقتصادي أكثر بطئاً وكلفة، مهما بلغت الاستثمارات المخصصة لإعادة بناء البنية التحتية.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يصنف التقييم الأممي قطاع التعليم ضمن أكثر القطاعات تضرراً، فقد أدى الدمار الواسع إلى تعطيل العملية التعليمية على نطاق غير مسبوق، بالتزامن مع تراجع مؤشرات التنمية البشرية في قطاع غزة بما يعادل 77 عاماً، وهو رقم يعكس عمق الانتكاسة التي أصابت التعليم والصحة ومستويات المعيشة، ويؤكد أن آثار الحرب تجاوزت الحاضر لتقوض فرص التنمية للأجيال القادمة.
وتبدو صورة التعليم العالي أكثر قسوة. فقد أظهر تقييم اليونسكو، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، أن 95% من الحُرم الجامعية في غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، حيث دمّر 22 حرماً جامعياً بالكامل من أصل 38، فيما تضرر 14 حرماً آخر بدرجات متفاوتة، كما خرج 195 مبنى جامعياً من أصل 206 عن الخدمة، وهو ما يعني شللاً شبه كامل في البنية الأكاديمية التي تمثل ركيزة إنتاج المعرفة والبحث العلمي.
ولم يقتصر الدمار على المباني، بل امتد إلى المقومات الأساسية للعمل الأكاديمي. فقد دمِّر أو تضرر بشدة 620 مختبر ومرفق تخصصي، إضافة إلى فقدان البنية الرقمية للجامعات بعد تدمير أو إتلاف نحو 120 ألف جهاز حاسوب و105 خوادم إلكترونية. وتمثل هذه الخسائر ضربة مباشرة لقدرة الجامعات على التدريس والبحث والابتكار، وهي خسائر لا يمكن تعويضها بمجرد إعادة تشييد الأبنية، لأن إعادة بناء البيئة العلمية تتطلب سنوات من الاستثمار في المعرفة والموارد البشرية.
ولا تقل الخسارة البشرية خطورة عن الخسارة المادية. فقد وثقت اليونسكو استشهاد أو إصابة أو احتجاز 1,112 من أعضاء الهيئات الأكاديمية والإدارية، بما يعادل 22% من القوى العاملة في مؤسسات التعليم العالي التي شملها التقييم. وهذه ليست مجرد أرقام، بل تمثل فقداناً لخبرات علمية تراكمت عبر سنوات طويلة، ما يضعف قدرة الجامعات على استئناف رسالتها التعليمية والبحثية، ويزيد من كلفة التعافي في المستقبل.
اقتصاديًا، تترجم هذه الوقائع إلى انخفاض طويل الأمد في الإنتاجية والدخل وفرص العمل. فالأدبيات الاقتصادية تؤكد أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأعلى عائداً على المدى البعيد، وأن كل تراجع في سنوات التعلم أو جودته ينعكس مباشرة على إنتاجية الأفراد وقدرة الاقتصاد على النمو. ومن ثم، فإن حرمان مئات الآلاف من الطلبة من تعليم مستقر لا يعني خسارة عام دراسي فحسب، بل يعني اتساع فجوة المهارات، وتراجع القدرة التنافسية، وانخفاض الناتج الاقتصادي في المستقبل.
ويزداد المشهد تعقيداً مع تنامي مخاطر هجرة الكفاءات. فالأكاديميون والباحثون وأصحاب الخبرات الذين يفقدون بيئة العمل والإنتاج العلمي سيبحث كثير منهم عن فرص خارج غزة، ما يهدد باستنزاف رأس المال البشري في اللحظة التي يكون فيها المجتمع بأمس الحاجة إليه. وتؤكد تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن استعادة العقول المهاجرة غالباً ما تكون أصعب بكثير من إعادة بناء المدارس والجامعات.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على استمرارية التعليم، ولو بوسائل استثنائية، ليست استجابة إنسانية فقط، بل استثمار اقتصادي واستراتيجي يحمي مستقبل المجتمع. ولهذا تؤكد اليونسكو أن دعم التعليم العالي واستمرار العملية التعليمية يمثلان ركيزة أساسية لتعافي غزة، لأن إعادة بناء الإنسان هي الشرط الأول لإعادة بناء الاقتصاد والدولة والمجتمع.
إن عمليات إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تختزل في إعادة تشييد المباني والطرق وشبكات الخدمات، بل يجب أن تبدأ بإعادة الاعتبار للتعليم باعتباره استثماراً في رأس المال البشري، لا بنداً إنفاقياً مؤجلاً ، فالمباني يمكن إعادة بنائها خلال سنوات، أما خسارة العقول وتعطل إنتاج المعرفة فيحتاجان إلى عقود لتعويضهما. ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم ليس خياراً بعد الحرب، بل هو الشرط الحاسم لضمان تعافٍ اقتصادي مستدام، وصناعة مستقبل يستطيع فيه الإنسان الفلسطيني أن يعيد بناء وطنه بعلمه قبل مبانيه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
