يصعب كثيراً أن نتحدث عن مسارات فيها حدود كافية من اليقين السياسي دون أن نكون قد فهمنا بنفس هذه الدرجة من اليقين كيف صارت حتى الآن، أو حتى كيف وصلنا إلى هنا لكي نتحدث عن هذه الممرات.

أقصد أن ثمة رابطاً منطقياً بين السابق واللاحق، وثمة صلة عضوية تأتّت من علاقة سببية جوهرية.

في الغالب نحن نتحدث، ونفكر، ونكتب، ونحاور ونستخدم أدوات للتدليل على أفكارنا من قبيل الشرح والتوضيح، ولهدفه في نفس الموقف «أي الشرح والتوضيح».
وتتمثل الرابطة المنطقية هنا في أن هناك من يرى ويعتقد أن حرب الألف يوم - بصرف النظر - افتراضياً، ولغايات التركيز على وقائع الحرب ومعطياتها وحقائقها ونتائجها، قد أدت من بين أهم ما أدت إليه إلى هزيمة محور المقاومة، وهناك من بين هؤلاء من يعتقد أن هذه الهزيمة قد طالت وستطال، ووصلت، وستصل إلى هزيمة مشروع هذا المحور.

وبالمقابل هناك من يرى أن نفس هذه الحرب، وعلى نفس القياسات، ووفق نفس الاعتبارات المعيارية، أن الولايات المتحدة، وحليفتها تل أبيب، وأعوانهما من التابعين في العالم وفي الإقليم قد هزموا جميعاً، وسقط مشروعهم، أو في الطريق إلى السقوط، أو عجز وأخفق أو في الطريق الحتمي إلى هذا الإخفاق.

من على هذه القاعدة يمكن الحديث عن تلك الممرات منطقياً وفق منظور الفريقين دون جهد كبير وخاص، ودون عناء فكري أو سياسي من خارج المألوف والمعهود.
مشكلتنا ومشكلة الممرات ليست هنا، وإنما في تلك المنزلة بين منزلتين وفق منظور ومنطق «المعتزلة»، ووفق منطق ومنظور نظرية التوفيق أو «الكونفيرجنسا» أو ما يسمى النهج الثالث، وأحياناً يشار إليها بالبينية. من حيث المبدأ، وعلى العموم وإجمالاً، فإن هذا المنظور والمنهج ومن زاوية الفلسفة والمنطق، ومن زاوية الوقائع والحقائق السياسية المتوفرة، ومن زاوية التجربة الحسية الملموسة التي شهدناها حتى الآن، هو الذي يصعّب تحديداً الممرات الإجبارية التي سيمر بها الإقليم، أو لنقل الوصول والتوصُّل إلى درجة موثوقة من المتوقع. وعندما نقول عموماً وإجمالاً، نحن لا نقول ذلك، ولا يجوز أن نقول ذلك من قبيل الاستخدام الدارج «للتعميم»، ذلك لأن التعميم عندما نستخدمه وفق الأدواتية الفلسفية والمنطقية، وحتى العلمية، فإننا نكون قد وصلنا لهذا التعميم بعد المرور ومن خلال المرور بالمعطيات الخاصة التي أفضت إلى التعميم أي الانتقال من الخاص إلى العام، وما يتطلبه هذا الانتقال من اختبار وفحص للإمكانيات والاحتمالات باعتبار أن كل إمكانية هي ليست سوى درجة من درجات تحقق الاحتمال.

من على هذه القاعدة، فإن اعتماد النهج البيني في قراءة واستشراف التطورات اللاحقة، والممرات الإجبارية فيه هو الطريق الأسلم والأصح شريطة الإدراك والوعي المسبق بأن النهج الثالث، التوفيقي والبيني، ينحاز من حيث الجوهر لواحد من النهجَين، ولكنه يستخدم أدوات وأساليب مختلفة عنهما في القراءة.
ليس لدي شك ويمكن أن يصل إلى حد اليقين أن الادعاء بهزيمة محور المقاومة أو مشروعها كاملاً هو ادعاء تنقصه الأسانيد، وتفنّده الوقائع في معطيات المعارك التي شنتها أميركا على إيران في الأسابيع القليلة الماضية لكامل مرحلة ما بعد الانقلاب على مذكرة التفاهم، وتدحضه كلياً وتنسفه من أساسه واقعة توقيع الولايات المتحدة على المذكرة.

وجوهر الأمر هنا أن ما أجبر الولايات المتحدة على التوقيع هو أنها عجزت عن تحمّل تبعات الحرب وفق كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وهو تحمُّل له تبعات عالية الكلفة، وقليلة المردود، ومعدومة أحياناً.

وأما الآن، فإن هذه المؤشرات قد تعززت أكثر، وأصبحت أقرب من أي وقت مضى، هي الشروط الحاكمة لمعادلة الصراع، والممر الإجباري الأول في تطورات الإقليم، وهو العودة الإجبارية إلى جوهر ومضمون مذكرة التفاهم وأي قراءة مناقضة أو مغايرة لهذا الممر ليست سوى أوهام سياسية وتمنيات ورغبات وأهواء لا تمت للواقع بأي صلات حقيقية.

لكن، وبالمقابل، فإن مضمون هذه العودة الإجبارية إلى مذكرة التفاهم ليس كما يدعي أصحاب نهج ومنظور هزيمة الولايات المتحدة، من أن ذلك سيؤدي بصورة تلقائية إلى الانسحاب الأميركي من منطقة الإقليم، أو إلى تقهقر المشروع الأميركي والمشروع الصهيوني، لأن إيران وحلفاءها في الإقليم يدفعون ثمناً باهظاً جراء التمسك بالأوراق التي بحوزتهم لإجبار الولايات المتحدة على هذه العودة.

ولهذا، فإن الممر الثاني الإجباري في تطورات الإقليم هو مرحلة انتقالية لا بد منها، هذه المرحلة الانتقالية سيتراوح مضمونها، دون أن يتغير جوهرها، وجوهرها يعني المسار والاتجاه ليس أكثر، وبحيث تكون هذه المرحلة الانتقالية مؤقتة ومحكومة بالانتخابات الأميركية والإسرائيلية من حيث الزمن والنتائج كما هي محكومة بحركة الأسواق والأسهم، وأسعار الطاقة والمخزونات النفطية والعسكرية، ومحكومة بعمق الأزمات الداخلية في الحالتين، كما هي محكومة بالقرارات التي ستحدد دور ومكانة وسياسات الدول الوازنة في الإقليم في الخليج، وعلى المستوى العربي والإسلامي على حد سواء.
ولهذا، فإن المرحلة الانتقالية لن تنتقل إلى الحل الإقليمي الشامل قبل هذه المرحلة الانتقالية، والتي ستكون وستتراوح بين اللاسِلم واللاحرب لأن ظروف السِلم لم تنضج بعد، والحرب فقدت إمكانية أن تغير في المسار والاتجاه، وقد لا تتعدى مرحلة الرجوع إلى مذكرة التفاهم والمفاوضات أو الذهاب إلى بعض بنودها دون الإقرار بها كاملة مرة أخرى.

وترجمة هذا الممر - كما أرى - هي انفراط عقد إجماع مجلس التعاون الخليجي نهائياً بخروج الإمارات العربية المتحدة والبحرين على هذا الإجماع، والذهاب إلى ما يشبه الاتفاق السعودي اليمني دون سقف المصالحة التامة والنهائية، وإجبار دولة الاحتلال على أعلى درجة من تخفيض الهجمات، وترك هوامش سياسية انتخابية درءاً لأخطار انفجار الخلاف بين الائتلاف الحكومي وبين الولايات المتحدة.

باختصار، إن الممر الإجباري في كامل هذه المرحلة الانتقالية هو تحويل حروب ومعارك جبهات دولة الاحتلال إلى مناوشات عسكرية بأعلى درجة من الضجيج السياسي والإعلامي وفي الحالة الإسرائيلية والأميركية على حد سواء
الممر الإجباري الثالث والأخير هو ملف الثّمَن.

والمقصود بالثمن هو الثمن الذي يمكن أن تطلبه دولة الاحتلال مقابل الإقرار بالواقع الإقليمي الجديد، ومقابل نهاية مشروعها للهيمنة على الإقليم بعد أن أصبح واضحاً وجَلياً أنها هي قبل غيرها وقبل الجميع ستتحمل نتائج الحرب، وهو ما سنأتي عليه في مقالات قادمة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد