اجتاز الطلبة في قطاع غزة امتحان الثانوية العامة ( التوجيهي )، بنجاح وتفوق، وكان اختبار أكاديمي حقيقي وطقس للعبور نحو المستقبل. 
بعد سنوات من حرب الإبادة والتدمير الممنهج للبنية التحتية، يجد آلاف الطلبة الناجين من الموت أنفسهم أمام فصل جديد من المعاناة؛ حيث تحول النجاح إلى اصطدام مروع بواقع تعليمي جامعي مشوه، فقد باتت رحلة التعليم العالي محفوفة بانعدام التكافؤ، وغياب البنية التحتية اللازمة، وبروز سياسات تجارية بحتة تتاجر بأحلام الطلبة وذويهم في ظل أعتى أزمة إنسانية يشهدها القطاع.

جيل ينزف على مقاعد الدراسة
يشخيص حجم الكارثة بقراءة التدرج الرقمي لواقع طلبة الثانوية العامة خلال السنوات الثلاث الماضية، وفقاً لإحصاءات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية:
في العام 2023 (ما قبل الكارثة الشاملة)، تقدم للامتحانات قرابة (89000) طالب وطالبة في كافة الأراضي الفلسطينية (50% منهم من قطاع غزة)، في بيئة تعليمية كانت تعاني من حصار خانق، لكنها حافظت على هيكلها المؤسسي.
في العام 2024 (عام الإبادة التعليمية)، حرم أكثر من (39000) طالب وطالبة في غزة من التقدم للامتحان. وشهد هذا العام ارتقاء نحو 500 طالب توجيهي كشهداء قبل تقديم امتحاناتهم، بينما اضطر بضع مئات لتقديمها من خارج الوطن (في مصر)، ولجأ آخرون للانتساب إلى مدارس الضفة الغربية عن بُعد.
في العام 2025 (عام التدارك المؤجل)، حاولت الوزارة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر عقد دورات استدراكية لطلبة قطاع غزة (مواليد 2007)، حيث تقدم قرابة (30000) طالب وطالبة للامتحانات في ظروف استثنائية، وسط فاقد تعليمي هائل وغياب كامل للمدارس المؤهلة.
وفي العام الحالي 2026 (النجاح بطعم الفقد)، أظهرت الإحصائيات عقب إعلان النتائج أن الفرحة جاءت منقوصة؛ فقد غاب أكثر من 1000طالب وطالبة عن قوائم الناجحين لترصع أسماؤهم قوائم الشهداء. ورغم نسبة النجاح التي تعكس إرادة فولاذية للطلبة، إلا أن التوزيع أظهر تكدساً في الفرع الأدبي (تجاوز 55%)، في حين واجه طلبة الفرع العلمي تحديات قاهرة بسبب غياب المختبرات والانقطاع الطويل عن مقاعد الدراسة المنظمة.

الجامعات هياكل بلا روح
بعد هذا المخاض العسير، يصطدم خريج الثانوية العامة بواقع جامعي محبط. لقد طال الاستهداف المباشر أكثر من 80% من مباني الجامعات والكليات في قطاع غزة. حيث دمرت المختبرات المركزية، ومستشفيات التدريب، والمكتبات، والقاعات الدراسية.
وأمام هذا الواقع، لجأت مؤسسات التعليم العالي إلى "التعليم الإلكتروني" كحل اضطراري لإبقاء عجلة التعليم دائرة. ورغم محاولة بعض الكليات تنظيم لقاءات وجاهية محدودة في خيام أو قاعات بديلة لتقديم الامتحانات، إلا أن هذا المسار يحمل سلبيات كارثية على المدى البعيد:

1.  انعدام البيئة التطبيقية: التخصصات التي تعتمد على الممارسة السريرية والهندسية أصبحت تُدرس نظرياً عبر الشاشات.
2.  الفجوة التقنية: يعاني الطلبة من انقطاع مستمر للإنترنت والكهرباء، مما يجعل الوصول للمحاضرات امتيازاً طبقياً لا يحظى به الجميع.
3.  العزلة الأكاديمية: فقدان الاحتكاك المباشر مع الهيئة التدريسية والزملاء، وهو العصب الحقيقي لصقل شخصية الطالب الجامعي.

تجارة التعليم استثمار في الأزمة
لعل الظاهرة الأشد خطورة التي برزت مؤخراً هي اتباع بعض الجامعات والكليات سياسات تجارية بحتة لضمان تدفق الإيرادات المالية، مستغلة رغبة الأهالي المحمومة في تأمين مستقبل أبنائهم. تتجلى هذه السياسات في الآتي:
* فتح بوابات القبول بلا معايير قدرة: تم استقبال أعداد ضخمة وغير مسبوقة في تخصصات ذات كلفة مالية عالية مثل: الطب البشري، طب الأسنان، الصيدلة، والهندسة، متجاهلين تماماً القدرة الاستيعابية.
* غياب البنية التحتية الطبية: كيف يمكن تخريج طبيب أسنان أو جراح دون أن يلمس مشرطاً أو يتعامل مع مريض حقيقي في مختبرات الجامعة وعياداتها التي سُويت بالأرض؟ إن هذا القبول المفتوح هو مجرد بيع للوهم الأكاديمي مقابل أقساط باهظة.
* إرهاق كاهل الأسر: في ظل انهيار اقتصادي شامل، تجبر العائلات على استدانة مبالغ طائلة لتدريس أبنائها في تخصصات علمية، ليكتشفوا لاحقاً أن أبناءهم يتلقون تعليماً منقوصاً لا يؤهلهم للمنافسة حقيقةً.

الانعكاسات المستقبلية كارثة تضرب سوق العمل
إن استمرار هذا المشهد يمثل قنبلة موقوتة تهدد النسيج المجتمعي والاقتصادي في قطاع غزة:
1. تخريج أنصاف متعلمين، وضخ آلاف الخريجين في مجالات حساسة (كالطب والهندسة) بمهارات تطبيقية شبه معدومة، سيعرض حياة السكان ومستقبل البناء للخطر.
2. تضخم البطالة المقنعة، فسيجد هؤلاء الخريجون أنفسهم مرفوضين في أسواق العمل الإقليمية والدولية التي تشترط كفاءة علمية وتطبيقية صارمة، مما سيزيد من معدلات البطالة والإحباط.
3. فقدان الثقة بالمنظومة الأكاديمية، حيث أن تآكل السمعة الأكاديمية لجامعات غزة، والتي بنيت على مدار عقود، سيجعل شهاداتها مستقبلاً محل شك وتدقيق قاس من قبل المؤسسات الدولية.

الخلاصة أن ما يجري اليوم ليست أزمة عابرة، فهو استكمال لعملية الإبادة التعليمية، ولا يمكن ترك الجامعات في غزة تعمل بعقلية السوق التجاري، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى خطة إنقاذ وطنية ودولية طارئة، تعيد بناء البنية التحتية، وتوفر منحاً حقيقية، وتمنع استغلال معاناة الطلبة وذويهم الذين يدفعون آخر ما يملكون لشراء مستقبل يبدو، في ظل هذه الظروف، سراباً إلكترونياً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد