رغم أن الثورة الإيرانية في العام 1979 كانت داخلية، إلا أن نتائجها نقلت علاقات الدولة مع أميركا والعالم الخارجي من مسار التحالف والتبعية إلى مسار مفارق له تماماً، ومنذ اللحظة الأولى، توترت العلاقة بدليل الشعارات التي كان يرفعها شباب الثورة، الذي أقدم على اقتحام السفارة الأميركية في طهران باعتبارها عنواناً للاستكبار العالمي، كما صار الإيرانيون يصفون أميركا، واحتجز بداخلها، 52 دبلوماسياً وموظفاً، قضوا أكثر من عام داخل السفارة، ولم يفرج عنهم إلا بعد صفقة الجزائر، ومنذ الثورة وحتى الآن أغلقت السفارة الأميركية، ورغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن احتكاكاً ما، لم يحدث طوال أكثر من أربعة عقود، انشغلت إيران خلال العقد الأول بالحرب مع العراق، فيما انشغلت أميركا في العقد التالي بمحاربة القاعدة وطالبان، ثم انشغلت فيما بعد بمحاربة واحتلال العراق، ومن ثم كان الحدث الأهم، منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حين كانت أميركا أحد شركاء الطرف المقابل لإيران، الذي وقّع معها اتفاقاً حول برنامجها النووي عام 2015.
منح ذلك الاتفاق إيران الحق في الحصول على الطاقة النووية للأغراض السلمية، ومنعها بذلك من زيادة تخصيب اليورانيوم عن نسبة التداول السلمي وهي ما بين 3 - 5% وحددها بنسبة 3.67%، على أن تخضع مفاعلاتها النووية للتفتيش الدوري من قبل الوكالة الدولية، وهكذا جرت الأمور حتى عام 2018، حين انسحب دونالد ترامب من جانب واحد، وتنصل بأميركا وحدها، فضلاً عن الطرف الآخر، وكان الشركاء هم الدول الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، روسيا والصين، بريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى ألمانيا، لذلك تم إطلاق اسم مجموعة 5+1 عليهم، وكان دافع ترامب هو كراهيته للرئيس السابق باراك أوباما، بحيث سارع خلال ولايته الأولى لمحاولة إلغاء كل منجزات أوباما، بدافع شخصي، وبتحريض إسرائيلي فيما يخص الانسحاب من الاتفاق حول برنامج إيران النووي.
كان هذا المنحى الذي سار عليه ترامب، يدل على عدم احترام مزدوج، لما وقعت عليه أميركا من ناحية، ومن ناحية أخرى لشركاء أميركا من الدول العظمى، التي شكلت مع أميركا الطرف المقابل لإيران في التوقيع على الاتفاق، ومنذ ذلك الوقت كان من الطبيعي أن يتوقف العمل بالاتفاق، ولأن ترامب خرج من البيت الأبيض عام 2020، فإن سلفه جو بايدن فاوض إيران وحده، فور دخوله البيت الأبيض، ساعياً إلى التوصل لاتفاق جديد، دون الشركاء الدوليين، حينها بدأت إسرائيل تعرقل ذلك المسار التفاوضي، بأن أضافت مطالب على طاولة التفاوض، مثل صواريخ إيران البالستية وعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين، ولم يمض كثير من الوقت حتى كانت أميركا بايدن تنشغل بالحرب الروسية الأوكرانية، وتنكفئ عن متابعة برنامج إيران النووي.
ولما عاد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام 2025، كان قد مضى على التنصل الأميركي من اتفاق مجموعة الـ5+1 مع إيران أكثر من ست سنوات، دون رقابة دولية على التخصيب، ليكتشف العالم أن إيران قد قامت برفع درجة تخصيب نحو 440 كغم يورانيوم إلى نسبة 60% وهي نسبة قريبة جداً من نسبة 90% اللازمة لصنع القنبلة النووية، وهذا يعني أنه بات بمقدورها أن تصنع 11 قنبلة نووية خلال أسابيع، ورغم أن إسرائيل جعلت من تلك القضية محرضاً لشن الحرب على إيران، إلا أنها منذ ما قبل اتفاق 2015 وهي تحاول إقناع أميركا بأن تشن الحرب على إيران، ولا تكتفي بأن تمنحها أميركا الضوء الأخضر لتشن هي حربها على إيران، لأنها تعرف أنها رغم تفوقها الجوي خاصة والعسكري عموماً غير قادرة على الانتصار على إيران، لذلك هي تريد من أميركا أن تقوم بالمهمة بدلاً عنها، كما فعلت من قبل مع العراق، وحتى لو كانت هي قادرة على شن الحرب على إيران، فهي بحاجة للضوء الأخضر، لأن أميركا مضطرة للتدخل في حال أوشكت إسرائيل على الهزيمة.
نجحت إسرائيل مع ترامب فيما فشلت فيه مع أوباما وبايدن، وجرّت أميركا إلى الحرب مع إيران في حزيران من العام الماضي، حين خاضت حرباً لمدة 12 يوماً، شاركتها أميركا في اليوم الأخير، وادعت الدولتان أنهما دمرتا برنامج إيران النووي، ومعظم قدراتها الصاروخية، لكن إيران لم تستسلم، ولم تحقق إسرائيل وأميركا أهدافهما التي هي أبعد من البرنامج النووي، لذلك شنتا معاً حرباً لمدة 40 يوماً هذا العام، ولم تتحقق الأهداف أيضاً، لكن الحرب لم تعد بين إيران وحليفها «حزب الله» من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، فقد ألحقت الحرب أضراراً مباشرة وغير مباشرة بكل دول الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج، حيث توجد القواعد العسكرية الأميركية ومنابع النفط والغاز وممرات التجارة العالمية، وكان من شأن إغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب وحتى قناة السويس أن يلحق الضرر بكل دول الخليج العربي ومصر، ومن ثم بالاقتصاد العالمي، خاصة اقتصاد دول أوروبا الغربية وشرق آسيا، وهي أغنى دول العالم، وأهم منتجي ومستهلكي التجارة العالمية.
وحين تبين لترامب أنه خدع من قبل نتنياهو والموساد الإسرائيلي الذي زين له أن الحرب على إيران ستكون سريعة خاطفة، وما هي إلا أيام ويسقط النظام، وتقع البلاد بين يدي ترامب لتحقق له بنفطها بعد نفط فنزويلا ما يصبو إليه من خنق لنمو الاقتصاد الصيني، فإن الحرب سرعان ما تركزت حول هرمز، حيث بدأ ترامب أولاً بدعوة الأوروبيين لمشاركته الحرب من خلال الناتو، لكنهم بالطبع هزوا أكتافهم، فهو لم يشركهم في قرار الحرب حتى يشاركوه في تنفيذه، وفعل الأمر ذاته، فحاول زج دول الخليج لمتابعة الحرب مع إيران بدلاً عن أميركا وإسرائيل، لكن دول الخليج كانت ترى في التفاوض ووقف الحرب المدخل الصحيح لمعالجة المشكلة، وطوال أشهر وترامب يطرق كل الأبواب، وكان منها أنه دعا السفن للمرور دون اهتمام بالتحذيرات الإيرانية، وحاول أن يقنعها بمرافقة قطعه البحرية لها، وأخيراً حاول أن يخدع إيران بالذهاب إلى وثيقة التفاهم لتحقيق هدف فتح المضيق وخفض أسعار النفط التي ارتفعت وأشعلت التضخم في أميركا نفسها.
الحقيقة أن شن أميركا للحرب على إيران، رغم أنه جاء بعد تحريض إسرائيلي، ونجم عن تأثير اللوبي الصهيوني على البيت الأبيض، أي على ترامب وحزبه الجمهوري، إلا أن هذا جزء من الحقيقة أو جزء من الدافع لشن الحرب، أما الجزء الأهم من الدافع فهو إضعاف الصين وخفض مستوى منافستها الاقتصادية لأميركا، وذلك من خلال السيطرة على النفط الإيراني الذي يعتبر مصدراً رئيساً لاستهلاك الصين من الطاقة، كذلك فإن كسر إيران وانتقالها إلى الجيب الأميركي يضعف قدرة الصين على مواصلة الطريق نحو النظام العالمي الجديد كبديل عن النظام العالمي الأميركي الحالي، بقيادتها أو كنظام قائم على التعدد القطبي، بدلاً من النظام الأميركي أحادي القطبية.
وإذا كانت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، التي تدحرجت منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن، قد باتت واضحة على جميع دول الشرق الأوسط، ثم على الاقتصاد العالمي بأسره، وإذا كانت أميركا أحد طرفَي الصراع حول النظام العالمي، هي طرف صريح في هذه الحرب، فإنه من الطبيعي أن تكون الأطراف الأخرى شريكاً في الحرب، وإن لم تظهر بعد بشكل صريح، وإذا كانت الحرب المباشرة اليوم هي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وإذا كانت هناك دول تدعم الطرف الأميركي/الإسرائيلي، بهذا الشكل أو ذاك، سواء باستخدام القواعد العسكرية، أو عبر مشاريع قرارات ضد إيران في مجلس الأمن، أو غير ذلك، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك دول داعمة بهذا الشكل أو ذاك لإيران من مجموعة بريكس أو على المستوى الثنائي.
ومن أجل تقريب الصورة، لا بد من الإشارة إلى أنه كلما طال أمد الحرب، ظهرت مستجدات ستؤثر لاحقاً على نتيجتها، وعلى ما ستحدثه حتماً من تغيرات إقليمية ودولية، وكما أن روسيا قد تبدو وحيدة في مواجهة أوكرانيا المدعومة عسكرياً وسياسياً ومالياً من أوروبا وأميركا، فإن حال إيران مشابه لحال روسيا إلى حد بعيد، ولأن أبعاد الحرب هي ذات طابع إقليمي دولي، فإن كل دول الشرق الأوسط ومعظم دول العالم، خاصة الدول الرئيسة، المؤثرة في النظام العالمي، معنية بمسار هذه الحرب وبنتائجها، وباختصار إيران لا تحارب أميركا وحدها، وكلما طالت الحرب، اقترب الشرق الأوسط من لحظة يفرض فيها على إسرائيل حل الدولتين، وكلما اقترب العالم من تفكيك القواعد العسكرية الأميركية، ومن طردها من المنطقة، ومن ثم إسقاط نظامها العالمي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
