حوّلت الكاميرات وشاشات التلفزة العالمية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة إلى غرف عمليات تدار من خلالها حرب السرديات، فكشّرت بعض وسائل الإعلام الغربي عن أنيابها تاركة وظائف الصحافة في الإخبار والتفسير والتثقيف والمسؤولية الاجتماعية، وتعدّت معايير المصداقية والدقة والموضوعية والاستقلالية والنزاهة والاحترام، لكي تتحول إلى غرف متقدمة مشاركة من خلال إعادة صياغة وبلورة المصطلحات الإعلامية بعناية فائقة، لقلب الحقائق واغتيالها وتجريد الضحية من إنسانيتها وتبرئة الجلاد من جرائمه، وتحويل جريمة الإبادة الجماعية المكتملة الأركان إلى مجرد نزاع تاريخي معقد.

يتناول المقال تفكيك التغطية الإعلامية الغربية للكشف عن سياسات خبيثة تعتمد على التلاعب بالمفاهيم، وازدواجية المعايير، لترويض العقلة العالمية وصناعة القبول بجرائم الإبادة أو عدم الالتفات لها، اتبعت هذه السياسات خلال تغطية أحداث الحرب على قطاع غزة، وابتكرت غرف التحرير الغربية معجماً خاصاً للتعاطي مع الشأن الفلسطيني، يعتمد على مصطلحات مدروسة تغيّب الحقائق القانونية والتاريخية بشكل مدروس.

التجهيل اللغوي والتلاعب بالمصطلحات

مارست كبرى الشبكات الإعلامية الغربية أبرز الحيل اللغوية، وتلاعبت بالقواعد النحوية لإخفاء الفاعل، فعندما يتعلق الأمر بالضحايا الفلسطينيين، تلجأ غرف التحرير فوراً إلى صيغة المبني للمجهول، والابتعاد عن ذكر الفاعل أو إدانته. فتقرأ عناوين مثل: مقتل العشرات في غزة إثر انفجار، أو عائلات تفقد أرواحها تحت الأنقاض. في تجهيل متعمد يغيب الفاعل الحقيقي (جيش الاحتلال الإسرائيلي) ويصور الموت في قطاع غزة وكأنه ظاهرة طبيعية غامضة أو كارثة بيئية حلت بالسكان فجأة، وإبقاء المعنى في بطن المحرر.

وفي تناقض فج، عندما يكون الإسرائيلي هو الضحية، تعود اللغة إلى صيغة المبني للمعلوم، وبأفعال مباشرة وقاطعة مثل: " حماس تقتل..." أو "صواريخ تستهدف...". هذا التباين يخلق في اللاوعي العالمي صورة مفادها أن العنف ضد الإسرائيليين هو فعل إجرامي متعمد، بينما الموت الفلسطيني هو حادث عرضي مؤسف.

وفي أسلوب آخر استخدمت مصطلح "الدروع البشرية" واستخدام المقاومة الفلسطينية للمدنيين الفلسطينيين، الذي يعدّ بمثابة شيك على بياض يمنح جيش الاحتلال الإسرائيلي المبرر لقصف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، من خلال هذا التأطير، ينقل عبء المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن القاتل الذي ألقى القنبلة، ليلقى على عاتق الضحية التي قتلت.

واستخدمت مصطلح "الإخلاء" بدلاً من "التهجير القسري"، لوصف أوامر الجيش الإسرائيلي بإفراغ شمال غزة أو رفح أو مناطق من قطاع غزة، والنزوح الداخلي الإجباري، وهي كلمة تحمل طابعاً إنقاذياً (كما يحدث في الكوارث الطبيعية)، ما يغطي على الحقيقة القانونية الصارخة بأن ما يجري هو تهجير قسري دامغ وتطهير عرقي مكتمل الأركان، وهي جرائم يحاسب عليها القانون الدولي.

واستخدم الإعلام الغربي مصطلح ماتوا" مقابل "قتلوا"، خاصّة في صياغة العناوين، حيث "يُقتل" الإسرائيليون في هجمات إرهابية، بينما "يموت" الفلسطينيون بشكل غامض في قطاع غزة، وكأن الموت الفلسطيني هو ظاهرة طبيعية أو عارض صحي، وليس نتيجة قصف متعمد بقنابل تزن أطناناً.

خرافة التكافؤ الوهمي

عمل الإعلام الغربي على تأطير الإبادة في قطاع غزة ضمن مصطلحات تخلق توازناً زائفاً بين قوة احتلال عاتية وشعب محتل أعزل يقبع تحت الحصار منذ سنوات. وفي سياق هذا التزييف تستخدم مصطلحات مثل: الاشتباكات بدلاً من المجزرة، ويستخدم مصطلح "حرب بين إسرائيل وحماس" لتقزيم حقيقة أن ما يجري هو عقاب جماعي يمارس ضد أكثر من مليوني مدني يعيشون في قطاع غزة.

وعندما تقصف خيام المدنيين والمستشفيات والأعيان المدنية، تسمى في بعض التغطيات الغربية بالاشتباكات أو تبادل إطلاق النار، مما يوحي للمتلقي بوجود جيشين متكافئين في ساحة معركة، وليس طائرات متطورة وآلة حرب غاشمة تقصف مدنيين ومناطق سكنية.

ويتواصل التزييف في المصطلحات مثل: "الرد" و"حق الدفاع عن النفس" مقابل "الإرهاب"، حيث تُمنح آلة الحرب الإسرائيلية غطاءً قانونياً مسبقاً عبر مصطلح حق الدفاع عن النفس، بينما يجرد الفلسطيني من حقه المكفول دولياً في مقاومة الاحتلال، ويوصف فعله دائماً بالعمل الإرهابي المستفز.

اختزال المأساة بالأزمة الإنسانية

اتبعت كبرى وسائل الإعلام الغربية خلال حرب الإبادة على مصطلح الأزمة الإنسانية، وهو من أخطر المصطلحات التي تم تسويقها في هذه الحرب، من حيث نزع السياق السياسي وصرف النظر عن المسبب الحقيقي، وتصوير جوع وعطش ونزوح الفلسطينيين وكأنه ناتج عن زلزال أو جفاف أو كارثة طبيعية، ويحتاج إلى تدخل إغاثي عاجل ومظلات مساعدات فقط.

ويعدّ ذلك هروباً من التوصيف القانوني الحقيقي للحرب، حيث تتجنب وكالات الأنباء استخدام المصطلحات القانونية الدقيقة مثل: العدوان، التطهير العرقي، الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، لأن هذه المصطلحات تستوجب استحقاقات قانونية دولية ومحاكمات قاسية ومحاسبة ومساءلة، فتلجأ تلك الوسائل إلى تخفيفها تحت ستار الوضع الإنساني المعقد.

أرقام بلا أسماء

تتبع وسائل الإعلام الغربية أسلوب خبيث يهدف إلى تقبل الرأي العام العالمي إبادة عشرات الآلاف من الفلسطينيين دون أن يهتز ضميره، وذلك من خلال تجريد هؤلاء الضحايا من عمقهم الإنساني، من خلال استخدام لغة الأرقام، حيث يقدم الضحايا الفلسطينيون في الإعلام الغربي ككتلة صماء ومجرد أرقام إحصائية تحدث يومياً، لا أسماء، لا أحلام، لا قصص شخصية.

وفي ذلك الأسلوب شرعنة للقتل عبر الأضرار الجانبية، المصطلح الذي يستخدم لتبرير قتل الأطفال والنساء، واعتباره ثمناً طبيعياً ومنطقياً للعمليات العسكرية، وكأن دماء الأبرياء مجرد ضريبة هامشية في جداول بيانات العمليات الحربية.

ولا تكتفي بعض وسائل الإعلام الغربي بذكر أرقام الضحايا الفلسطينيين، بل تصرّ دائماً على إلحاقها بعبارة وزارة الصحة التي تديرها حكومة غزة، وهذا الإلحاق ليس بريئاً، بل يهدف إلى التشكيك المسبق في مصداقية أعداد الضحايا، ونزع الصفة المدنية والمؤسساتية عن الجهة الطبية، مما يخفف من وطأة الصدمة لدى المتلقي الغربي.

الشاشات النظيفة وازدواجية المعايير

تتجلى أسوأ صور النفاق الإعلامي الغربي في التعامل البصري مع مشاهد الدماء والأشلاء، وهو ما يبرز بوضوح عند مقارنة التغطية الإعلامية لحرب غزة بالتغطية المخصصة للحرب الروسية-الأوكرانية.

في أوكرانيا.. تعدّ صورة الدم دليل إدانة، حيث حرصت القنوات الغربية على بث مشاهد الدمار، وجثث المدنيين، ودماء الضحايا في شوارع المدن الأوكرانية (مثل مجزرة بوتشا) دون أي تشويش، كان الهدف البصري واضحاً، وهو تعظيم الصدمة العاطفية، استنفار الرأي العام العالمي، أنسنة الضحية الأوكرانية، وتكريس صورة روسيا كدولة مجرمة ومعتدية.

في غزة.. على النقيض تماماً، يمارس الإعلام الغربي تعتيماً بصرياً صارماً على مشاهد الأطفال الممزقين إلى أشلاء أو المتفحمين، والمستشفيات وسيارات الإسعاف المليئة بالدماء، تحت مبرر الرقابة واحترام سياسات النشر، وقسوة المشهد، أو مراعاة مشاعر المشاهدين.

لكن الحقيقة التي يدركها الباحثون يهدف إخفاء مشاهد الدم الفلسطيني إلى حماية صورة دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومنع تحول الرأي العام الغربي ضدها. إنها سياسة الشاشات النظيفة التي تغسل الجريمة بصرياً، وتحول الإبادة إلى مجرد خبر جاف يمر كشريط عاجل أسفل الشاشة.

الخلاصة أنّ حرب الإبادة التي تشنّها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة أثبتت انحياز معظم وليس كل وسائل الإعلام الغربية، وأبرزها وأكبرها، في حربه السردية ضد قطاع غزة، وهي ليس سقطة مهنية فقط، بل يتعدى ذلك إلى حد التواطؤ مكتمل الأركان في الجريمة المقترفة ومساندة قوات الاحتلال. فالكلمة التي تصف المجزرة بأنها حادث، وتسمي التهجير القسري بالإخلاء الطوعي أو المرور الآمن، والعدسة التي تخفي دماء الضحايا بحجة المهنية، هي الأجنحة التي يطير بها الطيار الحربي الإسرائيلي ليلقي بحممه ونيرانه وقنابله براحة ضمير على المدنيين الفلسطينيين الآمنين.

في حرب الإبادة المرتكبة ضد قطاع غزة، سيسجل التاريخ أن الإعلام الغربي الذي طالما تغنى بحرية الرأي والتعبير وبحقوق الإنسان وبالقانون الدولي، والذي نصّبت وسائله نفسها حارساً عليها ونبراساً للحقيقة، كان هو ذاته المشارك الأبرز في تبرير الإبادة والقتل والتهجير والجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد