بقدر الشجب العنيف الذي قوبل به تصريح منسوب لمجلس السلام حول مستقبل « الأونروا »، بقدر ما هو ضروري عدم الاستخفاف بما يحمله هذا التصريح من تلميحات تجاه مستقبل الوكالة الدولية التي ظلت الشيء القليل الذي يشير لنكبة الفلسطينيين دولياً.
ولأن كل من أدانوا لن يفعلوا أكثر من ذلك فإن الظن بأن الشجب والاستنكار والإدانة يمكن أن تغير من حقيقة الأمر شيئاً سيكون مخيباً للآمال.
خطورة الأمر من جهة والتحولات المهولة في ميزان القوى بجانب التغيرات في وجهات النظر العالمية كل ذلك سيخلق واقعاً صعباً يجعل مجابهة التوجهات الأصيلة في تكوين مجلس السلام صعباً.
لنتذكر كيف قوبل تشكيل المجلس بالترحاب والتهليل، وهذه قضية أخرى.
خلال السنوات الماضية دفعت إسرائيل بقضية وكالة الغوث إلى صدارة النقاش حول مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.
وحاولت كثيراً وساعدتها التقارير الصحافية والتغطيات الإعلامية حتى الفلسطينية والعربية منها في تصوير وكالة الغوث كراعية للكفاح (بلغتهم للإرهاب) الفلسطيني ضد إسرائيل.
تمت شيطنة وكالة الغوث وتصوير موظفيها عاملين لدى حماس وأنهم يخدمون أجندتها، في محاولة للضغط باتجاه إنهاء خدماتها.
وفيما لا يمكن منع الفلسطيني من أن يكون له موقف سياسي أو حزبي حتى فإن المغالاة في التنافس الحزبي على نقابة الوكالة ساهم في تفسير الأمر بطريقة مختلفة. كان هدف إسرائيل إنهاء أعمال الوكالة من أجل التخلص من الشاهد الأممي على وجود قضية لاجئين.
لذلك فقد تصدر هذا الهدف أجندة العمل الدبلوماسي والإعلامي الإسرائيلي.
كما لم يرتبط هذا التوجه فقط بسياسات الرئيس الأميركي الحالي بل كان في الآونة الأخيرة جزءاً من سياسات البيت الأبيض ضمن المنظور الأميركي العام لتصفية المطالب الفلسطينية وحصرها في مربع المطالبات بتحسين الحياة والاقتصاد والحد الأدنى من المطالب السياسية التي يجب أن تكون مقبولة على الإسرائيليين.
وعليه فإن التخلص من الوكالة بات أيضاً جزءا من الفهم الأميركي العام للتخلص من مطالب الفلسطينيين وبالتالي من تحقيق الهدوء في المنطقة وتدجين الصراع حتى يصبح مجرد خلاف بين الجيران، والجيران ليسوا الفلسطينيين بل الدول العربية. فتصفية أعمال الوكالة مقدمة لتصفية قضية اللاجئين وبالتالي وجودهم في دول الجوار. وهكذا لا يعود لإسرائيل أي مشكلة مع جيرانها العرب.
كان الرئيس ترامب الأكثر وضوحاً في توجهاته ضد الوكالة خاصة مع تبني تصور السلام الإبراهيمي الذي قدمه بوصفه الحل السحري لصراع استعصى على كل من سبقوه.
وهو كعادته مهووس بفكرة الإنجاز غير المسبوق وبقدرته على تحقيق ما لم تأتِ به الأوائل.
لذلك ربط ترامب بين السلام وبين إنهاء الوكالة، وهذا الربط لم يتم على قاعدة التوازي بل الشرطية، فإنهاء أعمال الوكالة لن يكون نتيجة لتحقيق السلام بل شرطاً له؛ وهو سابق له في كل الأحوال.
وبالتالي فقد تم النظر لهذه المهمة بنوع من الخصوصية بداية من الحصار المالي وتجفيف مصادر التمويل انتهاء بالتصفية السياسية.
وهذا ما يصار إلى تحقيقه.
القصة ليست قصة مالية فالتزامات الوكالة المالية والتعاقدية مع موظفيها وحقوقهم ومدخراتهم وكل شيء يمكن توفيره وضمانه، ولكن ما يجب أن ينتهي هو وجود الوكالة ذاتها كجسم وككيان دولي عكس لحظة تأسيسه إقرار المجتمع الدولي بوجود قضية نجمت عن وجود إسرائيل هي قضية اللاجئين، هذه القضية هي ما يجب أن ينتهي وللأبد.
وعليه فإن واجبات ومسؤوليات الوكالة يمكن تحويلها لأي جسم آخر يتم استحداثه لهذه الغاية ولكن على قاعدة أن المجتمع الدولي لا يدفع فلساً واحداً من أجل تقديم خدمة لك لأنك لاجئ.
يدفع لك لأنك فقير نعم لا مانع، يدفع لك لأنك تعاني نتيجة الحرب الدائرة على غزة نعم لا مانع، ولكن لأنك لاجئ وفقدت قريتك التي باتت بلدة إسرائيلية فلا.
هذا هو بيت القصيد في كل المواقف المصاحبة للضغط لتسوية الوكالة.
وتوقعوا أن مثل هذا الفهم الذي يقول بتحمل مجلس السلام كل مهام الوكالة وعدم الانتقاص من خدماتها بل تطويرها قد يجد آذاناً صاغية بشكل متزايد في المجتمع الدولي خاصة مع التأكيد على أن تقديم خدمات للناس سيظل مهمة مقدسة، ولكن ضمن الفهم العام للتمويل الخارجي.
أحد أبرز صفات الدعم الخارجي عدة هو المشروطية السياسية التي ينتج عنها عادة تدخلات في السياسات العامة للدولة حسب تعديلات مؤسسات بريتون وودز الهيكلية في واشنطن وخبراء هذه المؤسسات، وفي الحالة الفلسطينية فإن ثمن هذا التمويل عادة ما يمس جوهر الحقوق الوطنية.
كان القاضي الجزائري محمد بجاوي الذي ترأس محكمة العدل الدولية في منتصف التسعينيات يقول إن الدعم الخارجي ليس منّة بل واجب على الدول التي امتصت خيرات مستعمراتها.
لماذا التذكير بذلك أمر مهم؟ لأن اللجنة التي ستدير غزة تحت وصاية المندوب السامي لمجلس السلام ستكون معتمدة بشكل كامل على التمويل الذي ستتلقاه من المانحين؛ وعليه ستخضع لمشروطية وقيود تجعل تحقيق حياة كريمة لنا في غزة مرهون بتقييم الآخرين لنا.
وكالة الغوث ستكون جزءاً من هذه الترتيبات في غزة.
بالطبع سيكون صعباً على واشنطن الدفع لتبني قرار أممي لتصفية أعمال الوكالة، ولكنها كما فعلت إسرائيل في القدس يمكن لها أن تفعل في قطاع غزة بوصفها الحاكمة الفعلية له إدارياً من خلال مجلس السلام.
نعم ويجب أخذ التصريحات الصادرة عن المجلس ضمن هذا التوجه.
وعليه فإن التحرك لمجابهة المخطط القادم لحل الوكالة أو استبدالها في غزة يجب أن يكون ضمن سياسة وتوجهات وطنية أوسع للتعامل مع الواقع في قطاع غزة.
وسيظل السؤال الأهم في صوغ هذه التوجهات يتعلق فيما إذا سيظل الفلسطينيون موافقين على التنازل عن سيادتهم الوطنية وترك مستقبل ومصير قطاع غزة بيد مجلس لا يقوده الفلسطينيون.
هذا هو مربط الفرس أما الشجب والإدانة فإنه لن يقول شيئاً آخر أكثر من أننا غير موافقين.
هذا جزء من الإبادة السياسية التي تتم بحق القضية الوطنية في غزة يجب أن يكون الوقوف في وجهها بحجم الإبادة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
