فشل الحراك ب غزة لم يكن مجرد غياب لحشود في الشوارع تطالب بإنهاء الحرب والانقسام، بل كان انعكاساً لحالة نفسية واجتماعية وسياسية معقدة يعيشها المجتمع في غزة بعد أشهر طويلة من الحرب والدمار. فمن السهل أن نقرأ المشهد بعدد المشاركين، لكن الأصعب هو أن نقرأ ما كان يدور في صدور الذين لم يخرجوا، رغم أن كثيرين منهم يحملون الوجع نفسه، والغضب نفسه، والرغبة نفسها في أن تتغير الحياة.
لقد أنهكت الحرب الناس حتى أصبح الخوف جزءاً من تفاصيل يومهم. لم يعد الخوف مقتصراً على القصف، بل امتد إلى الخشية من أي حدث قد ي فتح باباً لفوضى جديدة أو اقتتال داخلي أو انزلاق إلى بحر آخر من الدماء. لذلك لم يكن عزوف كثيرين عن المشاركة دليلاً على الرضا بالواقع البشع، بل تعبيراً عن خوف عميق من المجهول، وعن رغبة في حماية ما تبقى من أرواحهم وعائلاتهم، وأمنيتهم باستلام حكومة جديدة مقاليد الحكم وأولها الأمن من حماس ، إنهم لا يريدون فراغ أمني يدعوا للاقتتال الداخلي.
وزاد هذا القلق مع انتشار مخاوف من احتمال استغلال أي تجمع جماهيري أو اختراقه وتحويل مساره بعيداً عن مطالبه الإنسانية والوطنية. وفي مجتمع أنهكته سنوات الانقسام والحرب، يصبح السؤال الذي يسبق أي خطوة: من سيضمن سلامة الناس؟ ومن سيمنع أن تتحول المطالب المشروعة إلى شرارة لصراع جديد يدفع المدنيون ثمنه؟ وهنا لعب المخاتير ومنصات معارضة على هذا الوتر الحساس منذ أيام.
وفي تقدير كثير من المواطنين، فإن الأزمة لم تعد تقتصر على الحرب وحدها، بل امتدت إلى أزمة ثقة عميقة بالمنظومة السياسية بأكملها. فقد تآكلت ثقة قطاعات واسعة من الناس بالأحزاب والتنظيمات والشخصيات، بعدما طال أمد الانقسام وتراكمت الخسائر وتعاظمت معاناة السكان. لذلك لم يعد المواطن يبحث عن انتصار هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يبحث عن سلطة قادرة على فرض القانون، وإدارة شؤون الناس بعدالة، وإنهاء حالة الفوضى والفراغ الإداري.
ولهذا السبب، يتطلع كثيرون اليوم إلى أي صيغة حكم تحظى بشرعية وقبول، وقادرة على إدارة المعابر، وإعادة تشغيل المؤسسات، وبدء عملية إعادة الإعمار، ووقف دوامة الموت المستمرة. ويأمل هؤلاء أن تكون هناك إدارة مسؤولة تملك المرجعية القانونية والقدرة على توحيد المؤسسات، بعيداً عن منطق المحاصصة أو تعدد مراكز القرار، لأن المواطن لم يعد يحتمل مزيداً من الانقسام أو الصراع.
رغم محدودية المشاركة، فإن الحراك منذ ايام نجح في حفز المواطنين على إعادة تسليط الضوء على ملفات إنسانية ملحة بالاعتراض وابداء الرأي بالوقفات الاحتجاجية، وفي مقدمتها ملف الجرحى والعلاج خارج غزة. وهذا يؤكد أن الكلمة الحرة والعمل السلمي ما زالا قادرين على إيصال صوت الناس، حتى وإن لم يتحولا إلى مظاهرات واسعة.
لقد كشف حراك السادس والعشرين من حزيران حقيقة مؤكدة، وهي أن الخوف أصبح أقوى من الغضب، وأن الناس تريد التغيير، لكنها لا تريد أن يكون ثمنه دماً جديداً. إنها تريد دولة قانون، ومؤسسات تحاسب وتُراقَب، وخدمات تحفظ كرامة الإنسان، وأمناً يطمئن إليه الجميع.
غزة اليوم لا تبحث عن مزيد من الرايات، بل عن نهاية للموت. لا تبحث عن انتصار فصيل على آخر، بل عن انتصار الإنسان على الجوع والخوف والنزوح. لقد فقد الناس الكثير من ثقتهم بالشعارات، وأصبحوا أكثر تعلقاً بفكرة الدولة والمؤسسات والعدالة. وبين الخوف والأمل، يبقى العمل السلمي والكلمة الحرة الطريق الأكثر قدرة على صناعة مستقبل يستحقه أهل غزة، مستقبل تُبنى فيه البيوت بدل الخيام، وتُصان فيه كرامة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
