تقرير إسرائيلي: مشروع تسليح ميليشيات غزة يواجه اتهامات بالفشل
كشفت تقارير صحفية ومواقف لخبراء أمنيين عن تفاصيل مشروع إسرائيلي يُدار بسرية تامة لتسليح ودعم مجموعات مسلحة وعشائرية داخل قطاع غزة ، في محاولة لإيجاد بديل سلطوي لحركة حماس . ورغم تزويد هذه المجموعات بأسلحة ومعدات متطورة، يحذر مراقبون من أن تأثيرها الميداني لا يزال محدوداً، وسط مخاوف من غياب الرقابة والمساءلة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
تصعيد التسليح: دخول الطائرات المسيّرة على خط المواجهة
وفقاً لتقرير نشره موقع "زمان إسرائيل"، رُصد مؤخراً تحول نوعي في طبيعة الدعم العسكري المقدم لهذه المجموعات. ففي نهاية الشهر الماضي، نشرت إحدى الميليشيات المناهضة لحماس، وتدعى "جيش الشعب" بقيادة أشرف المنسي، مقطع فيديو يوثق استخدام طائرة مسيّرة (درون) ذات طابع عسكري يبلغ طولها عدة أمتار، وهو أول توثيق علني من نوعه.
وأشارت البيانات الصادرة عن هذه المجموعات إلى أن الدعم الإسرائيلي الذي تلقته على مدار العام الماضي شمل:
الدعم اللوجستي والعسكري: أسلحة خفيفة (بنادق)، معلومات استخبارية، ودعم جوي.
الإمدادات والخدمات: مواد غذائية وسجائر، بالإضافة إلى نقل عناصر الميليشيات المصابين لتلقي العلاج الطبي داخل إسرائيل.
انقسام في التقييم الإسرائيلي: قيمة عملياتية أم "حماقة أمنية"؟
تثير هذه الاستراتيجية انقساماً حاداً بين الخبراء والمحللين الإسرائيليين حول جدواها وأبعادها الأمنية:
1. تحذيرات من "سيناريو عكسي"
يصف ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، الاعتماد على هذه المجموعات بأنه "خطأ فادح"، مؤكداً أن تأثيرها على الواقع في غزة يكاد يكون معدوماً. ويحذر ميلشتاين من أن:
"هذه الجماعات قد تتجه في نهاية المطاف إلى ممارسة الإرهاب ضد إسرائيل، أو أن تقع هذه الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة في يد حركة حماس لتستخدمها ضدنا."
2. رؤية داعمة للتنسيق الميداني
في المقابل، يرى ميخائيل باراك، الباحث البارز في المعهد الدولي لسياسات مكافحة الإرهاب بجامعة رايخمان، أن هذه الجماعات تقدم قيمة عملية للجيش الإسرائيلي كقوة حليفة على الأرض. واعتبر أن الاستعانة بسكان محليين مستعدين للتعاون وتطهير المناطق من العبوات الناسفة أو مواجهة حماس يُعد أمراً مفيداً للمصالح الإسرائيلية الحالية.
الواقع الميداني وموقف الشارع الغزي
تشير المعطيات المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى وجود خمس ميليشيات منفصلة تأسست بين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2025، وتتمركز في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي (مناطق الخط الأصفر). ويُقدر قوام هذه المجموعات ببضع مئات من المسلحين فقط.
التحديات التي تواجه الميليشيات:
العزلة عن المدنيين: يعيش نحو مليوني فلسطيني في المناطق التي لا تزال حماس تمارس فيها سلطتها الإدارية (نحو 40% من مساحة القطاع). وبسبب القيود العسكرية الإسرائيلية، يمنع المدنيون من الانتقال إلى مناطق نفوذ الميليشيات.
الرفض الشعبي والسياسي: يواجه عناصر الميليشيات نظرة عدائية من السكان. ونقلت التقارير عن مواطنين في غزة تأكيدهم أن هذه المجموعات "مرفوضة من جميع الفصائل الفلسطينية ( فتح وحماس على حد سواء)" ولا تمثل أي مصالح وطنية.
اتهامات بالانتهاكات والجرائم: أفاد سكان محليون تعرضوا للاحتكاك بمسلحي الميليشيات — خاصة عند معبر رفح — بوقوع ممارسات قاسية شملت السرقة، والاعتداء بالضرب، والتحرش. كما تشير السير الذاتية لبعض القادة الراحلين، مثل ياسر أبو شباب، إلى وجود سوابق جنائية وتورط في أعمال تهريب ونهب.
المساعدات الإنسانية وعمليات الإخلاء القسري
تُظهر الأنشطة الإعلامية للميليشيات محاولات لتعزيز شعبيتها عبر توزيع المساعدات الإنسانية والحلوى قبيل الأعياد الإسلامية. ورُصدت في مقاطع الفيديو طرود غذائية تحتوي على منتجات لشركات إسرائيلية بارزة (مثل قهوة "نس كافيه" من شركة عيليت، وحليب الأطفال "ماتيرنا")، ما يؤكد مصدرها الإسرائيلي.
من جهة أخرى، برزت اتهامات للميليشيات بالمشاركة في إجبار المدنيين على إخلاء منازلهم في مناطق قرب دير البلح بتوجيهات إسرائيلية، تماشياً مع خطط توسيع السيطرة الميدانية.
وفي هذا السياق، ظهر قائد إحدى الميليشيات، شوقي أبو نصيرة، في مقطع فيديو وهو يوجه عناصرها قائلاً: "هذه رسالة ننقلها من الجانب الإسرائيلي، ومفادها أن على الناس إخلاء المنطقة".
غياب الإستراتيجية وتكرار تجارب الفشل
يعيد المشهد الحالي إلى الأذهان المحاولات الإسرائيلية الأولى في مطلع عام 2024 للتعاون مع عشائر فلسطينية (مثل عشيرة الدرموش)، وهي الجهود التي تحطمت بعد قيام حماس بتصفية الشخصيات التي انخرطت في تلك الترتيبات، وهو ما أقر به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علناً في منتصف عام 2024.
وفيما تلتزم الحكومة الإسرائيلية، والجيش، وجهاز الشاباك الصمت وترفض التعليق علناً على طبيعة التنسيق أو تزويد الميليشيات بالطائرات المسيّرة، يختتم الخبير الأمنـي ميخائيل ميلشتاين بالقول:"لا أحد في المؤسسة الأمنية يتوقف ليسأل إلى أين تتجه هذه السياسة. طوال عامين لم تُجرَ مراجعة حقيقية أو تقييم للأخطاء، وبغياب المساءلة، فإن الإخفاقات نفسها تتكرر مرة بعد أخرى."
