في أزقة شوارع غزة المتألمة التي أتعبتها حرب الإبادة المستمرة، وبين خيام النازحين التي دمرت الصواريخ أحلامهم ولم تُدمر كرامتهم، تدور قصة قديمة قدم البشرية، قصة "السيد والعبد". لكنها اليوم لا تلبس ثوباً تاريخياً، بل تنكشف صورها واضحة في ظل الانكشاف الاجتماعي، تعيش بيننا في صورة أب ديكتاتوري، مدير متسلط، أو رئيس حزب يرى نفسه إلهاً، أو حتى في كنف عائلة أو عشيرة يُلغى فيها صوت الأبناء باسم "الطاعة العمياء".

في لعبة المرايا والمخاوف يقول لنا علم الاجتماع إن الطاغية لا يصنعه السلاح أو النفوذ أو السلطة وحدها، بل يصنعه "انحناء الظهر". هي علاقة غريبة تشبه المرآة، العبد يرى في سيده القوة التي يفتقدها، والسيد يرى في خضوع العبد تأكيداً لعظمته الوهمية. في المجتمعات الفقيرة التي أنهكتها الأزمات، ينشأ نوع من "الوهم الجماعي"، حيث يقتنع الناس بأنهم ضعفاء عاجزون، وأن الحل لا يأتي إلا على يد "قائد همام" أو "بطل خارق" ينتشلهم من الضياع بضربة عصا سحرية.

هذا الانتظار هو "الفخ" الأكبر. نحن هنا لا نبحث عن حرية، بل نبحث عن "سيد رحيم" يحسن معاملتنا داخل القفص، بدلاً من أن نكسر باب القفص ونخرج إلى رحابة المسؤولية.

سجون الوعي.. من البيت إلى المؤسسة المدنية والحزبية والحكومية!

الغريب أننا ننتقد الديكتاتور الكبير، لكننا قد نمارس ديكتاتوريات صغيرة في حياتنا اليومية. في البيت والمؤسسة، مثلاً تجد الموظف الذي يُسبّح بحمد مديره ليل نهار مقابل "رضا" زائف، وفي الحزب تجد المتحزب الذي يلغي عقله تماماً لأن "القائد قال كذا". هذه ليست مجرد سلوكيات، بل هي "متلازمة نفسية" تجعل الإنسان يهرب من حرية التفكير إلى راحة التبعية. الحرية مُتعبة، لأنها تتطلب قراراً وعملاً، أما التبعية فسهلة، لأنها تتطلب "تصفيقاً" فقط.

جين النهوض.. هل نحن شعب لا يعرف الاستسلام؟

بعد سنوات من الوجع والهدم الذي طال الحجر والبشر، يبرز سؤال كبير: كيف ينهض الناس مجدداً؟

الحقيقة أن بداخل كل إنسان "جين الحرية"، لكنه يتغطى أحياناً بطبقات من الخوف والوهم. التغيير الحقيقي لا يبدأ حين يموت الطاغية، بل يبدأ حين يموت "الخوف" في قلب المحكوم. حين يدرك الفلاح، العامل، الموظف، البدوي، النازح والمدني، أن قيمتهم ليست في "القرب من السلطة"، بل في "الاعتزاز بالذات".

هل نستطيع كسر الصنم؟

إننا لا نحتاج إلى "مخلّص" يركب خيلاً أبيض، بل نحتاج إلى وعي يخبرنا بأننا نحن الأبطال الذين ننتظرهم. الصنم الذي يسكن في بيوتنا وأحزابنا ومؤسساتنا ليس إلا ظلاً كبيراً صنعه ضعف نفوسنا، فإذا ما وقفنا بظهور مستقيمة، وقررنا أن نكون أحراراً في تفكيرنا، سيختفي ذلك الظل فوراً.

الحرية ليست هبة تأتي من الأعلى، بل هي صرخة تبدأ من الداخل: "أنا إنسان، ولست ظلاً لأحد". وعندها فقط، ستتحول الأفراح التي نرقص فيها وسط الركام من مجرد "تفريغ للوجع" إلى "إعلان للسيادة" على الروح والمكان.

أنصح كل من أثقلته سلطة الأسياد وأولئك الذين تمرسوا عادات العبيد أن يقرأ رواية مزرعة الحيوان للكاتب جورج أورويل، تلك الحكاية التي ثارت فيها حيوانات المزرعة على صاحبها وهي تهتف: «لا سيّد بعد اليوم». لكنها اكتشفت لاحقاً أن الطغيان لا يموت بتغيّر الوجوه، بل حين يتحرر العقل من الخضوع. فالرواية ليست عن الحيوانات بقدر ما هي عن البشر، عن العبيد الذين يصنعون بأيديهم أسيا3دهم، ثم يدفعون ثمن الصمت طويلاً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد