الحكومة تتحدث عن أزمة رواتب الموظفين ومعادلة الصرف الصعبة
أكد مدير مركز الاتصال الحكومي، الدكتور محمد أبو الرب، الأحد 7 يونيو 2026 ، أن الحكومة ووزارة المالية الفلسطينية تعملان حاليًا بـ 10% فقط من مجمل الأموال والإيرادات التي يفترض أن تصل إليها، ووصف هذه الأزمة المالية بأنها "حالة غير مسبوقة دوليًا وتاريخيًا"، وجاءت نتاج استمرار الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أموال المقاصة بشكل كامل منذ نحو عام ونصف، إلى جانب تراجع الإيرادات المحلية جراء الإغلاقات والبطالة والكساد الاقتصادي.
وأوضح أبو الرب، في حديث مع راديو علم تابعته سوا، أن عجز الموازنة بلغ مستويات قياسية؛ حيث تتراوح الإيرادات المحلية الحالية بين 220 إلى 250 مليون شيكل شهريًا، وتصل في أفضل أحوالها إلى 300 مليون شيكل، في حين تتجاوز الالتزامات الشهرية المطلوبة للإيفاء بالاحتياجات الأساسية (دون احتساب الديون) سقف المليار و300 مليون شيكل.
حرب سموتريتش الاقتصادية وأهدافها
وأشار أبو الرب إلى أن المجتمع الدولي يتعامل مع الحالة الفلسطينية باندهاش حيال القدرة على الصمود في ظل هذا الضغط الاقتصادي الخانق، لافتًا إلى أن وزير مالية الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، واليمين المتشدد يعلنان صراحة أن هدف هذه "الحرب الاقتصادية" واحتجاز أموال المقاصة هو تقويض الجسم السياسي والمؤسساتي الفلسطيني، ودفع الحالة العامة في الضفة الغربية نحو الفوضى والفلتان الأمني وتوقف الخدمات الحيوية.
وحذر مدير مركز الاتصال الحكومي من المراهنة على قيام الاحتلال بمسؤولياته تجاه المواطنين في حال غياب السلطة، مستشهدًا بنموذج قطاع غزة ، حيث يواصل الاحتلال فرض سياسة التجويع وتقييد وصول الشحنات والمنح الإغاثية المدعومة دوليًا رغم وجود تفاهمات مع وسطاء دوليين، كما أشار إلى ما يحدث في بلدة "بيت أمر" من نزاعات وإطلاق نار وحرق للمنازل جراء منع وجود الأجهزة الأمنية الفلسطينية لضبط الحالة، معتبرًا ذلك نموذجًا لما يخطط له الاحتلال.
أزمة الرواتب ومعادلة الصرف الصعبة
وفيما يتعلق بإدارة الأزمة وآليات الصرف، بين أبو الرب أن أموال المقاصة -التي تجبيها إسرائيل نيابة عن دولة فلسطين بحكم سيطرتها على المعابر والحدود- تشكل 68% من الدخل العام وتغطي الفاتورة الأكبر للمستوردات كالوقود والأغذية، وقد بدأت أزمتها بالاقتطاعات منذ عام 2019، ثم تقلصت لثلثين بعد السابع من أكتوبر 2023، وصولًا إلى التجميد الكامل.
وأضاف أن الإيرادات المحلية الحالية بالكاد تكفي لتغطية التزامات قطاع واحد؛ حيث إن مجمل الإيراد المحلي السنوي يغطي موازنة وزارة الصحة الفلسطينية فقط (البالغة نحو 3 مليارات شيكل لعام 2025، منها قرابة مليار شيكل للرواتب والأجور، و1.7 مليار للتحويلات الطبية والمستلزمات)، وذلك دون احتساب قطاع التعليم أو المؤسسات الحكومية الأخرى.
وعن رواتب الموظفين العموميين، أوضح أبو الرب أن الحكومة كانت قد رفعت في وقت سابق نسبة الصرف إلى 70% بحد أدنى 3500 شيكل، مما أتاح لـ 70% من الموظفين (الفئات الأقل دخلًا) تقاضي رواتب كاملة، إلا أن التوقف التام للمقاصة فرض العودة لمعادلة صرف 50% بحد أدنى 2000 شيكل، وهي معادلة تتطلب شهريًا ما بين 550 إلى 600 مليون شيكل، مما يعني أن مجمل الإيرادات المحلية الحالية لا يغطي سوى نصف دفعة من الراتب المُقلص.
التزامات قطاع غزة والتدابير التقشفية
وفي السياق ذاته، أكد أبو الرب أن الحكومة ملتزمة بتحويل مخصصات ورواتب لقطاع غزة (تشمل الأطباء، المعلمين، وطواقم الإغاثة) تفوق 200 مليون شيكل شهريًا، وهو ما يعادل تقريبًا حجم الإيرادات المحلية للوزارة بالكامل.
ورداً على الانتقادات الموجهة للحكومة عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن التعيينات والنفقات، أكد أبو الرب أن التعيينات الجديدة موقوفة تمامًا وفق الهيكليات الحكومية، وأن كل موظف يتقاعد لا يتم تعيين بديل له، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء وفر على الخزينة العامة 120 مليون شيكل سنويًا، مع وجود استثناءات محدودة جدًا فرضتها الحاجة في قطاعي الصحة والتعليم العام الماضي، قبل الإغلاق التام للتعيينات هذا العام.
وعن الإجراءات الإدارية للتخفيف عن الموظفين، أوضح أن الوزارات وضعت خططًا لإعادة توزيع الموظفين ليكون دوامهم قريبًا من أماكن سكناهم توفيرًا لتكاليف المواصلات والنقل في ظل الحواجز العسكرية البالغ عددها 930 حاجزًا وبوابة حديدية، إلى جانب اعتماد نظام الدوام المقلص لمن يقطنون خارج المدن.
تداعيات الأزمة على التعليم والقطاع الصحي
وأقر المسؤول الحكومي بوجود أثر سلبي للدوام المقلص (3 أيام أسبوعيًا) على العملية التعليمية، مؤكدًا وجود "فاقد تعليمي" لدى الطلبة، تسعى وزارة التربية والتعليم لتعويضه جزئيًا عبر تنظيم مخيمات صيفية تعليمية، رغبة في الحد من تأثير منصات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية على الأطفال.
أما على الصعيد الطبي، فقد أشار أبو الرب إلى أن نزوح المواطنين في مخيمات شمال الضفة الغربية، وتوقف العمال داخل الخط الأخضر، أدى إلى انضمام عشرات آلاف المواطنين الجدد إلى منظومة التأمين الصحي المجاني أو شبه المجاني، مما شكّل ضغطًا هائلًا على المستشفيات الحكومية، ورفع قيمة التحويلات الطبية للمستشفيات الخاصة إلى نحو مليار شيكل سنويًا لسد العجز الإجرائي.
تراجع نقابة الأطباء عن التفاهمات
وفي ختام تصريحاته، انتقد أبو الرب الإضرابات والامتناع عن العمل في القطاع الصحي، معتبرًا أنها تؤثر مباشرة على الحالات المرضية والمواطنين من ذوي الدخل المحدود.
وأشار إلى البيان المشترك لوزارتي الصحة والمالية الذي أكد استجابة الحكومة للوضع الخاص بالأطباء المقيمين وأطباء الامتياز (البالغ عددهم بضع مئات) وصرف التزاماتهم وفق جدول زمني محدد رغم الضائقة المالية، مستهجنًا تراجع نقابة الأطباء عن مسودة التفاهمات الأولية التي قادتها شخصيات وطنية، من بينها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ومثلها الدكتور عمار الدويك.
ودعا أبو الرب نقابة الأطباء والكادر الطبي إلى الالتزام بالحد الأدنى من الدوام (نظام المناوبات/الشفتات) لضمان تقديم الخدمات الطبية الطارئة للمواطنين وعدم تركهم دون علاج.
