تقرير: الأزمة البيئية في غزة: واقع معقد يهدد الصحة العامة
يشهد قطاع غزة واحدة من أعقد الأزمات البيئية في المنطقة، حيث تتداخل مشكلات النفايات المتراكمة في الشوارع والمخيمات مع أزمة المياه وانقطاعها المتكرر، إضافة إلى انتشار القوارض بشكل واسع، مما يهدد الصحة العامة ويزيد من معاناة السكان. هذه الأزمات لا تنفصل عن بعضها، بل تتشابك لتصنع واقعًا يوميًا قاسيًا يعيشه الأهالي في المخيمات ومراكز الإيواء، حيث تتأثر النظافة، وتتراجع سبل الوقاية، وتزداد المخاطر الصحية والنفسية.
ورغم قسوة الظروف، تكشف شهادات الأهالي حجم المعاناة اليومية، فيما تحاول البلديات والمؤسسات مواجهة الأزمة عبر مبادرات تنظيف وتوزيع المياه وخطط لمكافحة القوارض. هذه الصورة الشاملة تؤكد أن الأزمة البيئية في غزة ليست عابرة، بل تتطلب تدخلًا عاجلًا و طويل الأمد لحماية السكان.
تصف المواطنة "تيمة البطنيجي" من سكان أحد المخيمات في غزة واقعًا صعبًا يعيشه الناس يوميًا نتيجة تراكم النفايات، شحّ المياه، وانتشار القوارض.
تقول أن القمامة أثرت بشكل كبير على حياتنا اليومية، فهي موجودة في كل مكان تقريبًا، ولا تتوفر حاويات كافية أو تنظيف منتظم من الجهات المختصة. هذا الوضع أدى إلى انتشار القوارض والحشرات بشكل واسع، مما تسبب لنا بأمراض جلدية وحساسية، وأثر على كبار السن والأطفال بشكل مباشر.
وتضيف في مناطق مثل المواصي والشاطئ، يزداد الوضع سوءًا بسبب الأعداد الكبيرة من النازحين. الاكتظاظ يجعل من المستحيل أن يتحمل أحد مسؤولية النظافة بشكل فردي، كما أن البلدية لا تستطيع تنظيم النفايات بشكل مستمر أمام هذا العدد الكبير.
وتوضح في بعض المناطق وضعوا حاويات جديدة كبيرة لإلقاء النفايات، لكن النسبة الأكبر من المخيمات لا يوجد فيها أماكن مخصصة، فيضطر الناس لرمي القمامة في الشوارع بكميات كبيرة، وهذا يسبب أضرارًا مباشرة للنازحين الذين يعيشون في الطرقات.

وتشير إلى الآثار الصحية أن النفايات أثرت على كل شخص في المجتمع، سواء كبار السن أو الأطفال، بسبب انتشار الحشرات والبعوض والبراغيث في المخيمات. هذه الظروف سببت أمراض جلدية وحكة وحساسية، ولا يوجد أي علاج أو وسيلة وقاية لهذه المشكلة، حتى أصبحت من أكبر الأزمات التي يعاني منها القطاع.
و لكن رغم كل هذه المعاناة، ظهرت مبادرات جديدة من بعض الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، بدعم من المؤسسات والجمعيات، لتنظيف المخيمات بمشاركة السكان. حتى أُطلقت مسابقات تمنح جوائز لأكثر المخيمات تنظيمًا، مما شجع الشباب على الاهتمام بنظافة مخيماتهم والاعتناء بها.
وإذا كانت النفايات قد خلقت بيئة غير صحية، فإن شحّ المياه جعل تفاصيل الحياة أكثر قسوة.

توضح أن مشكلة المياه في غزة لا تقل خطورة عن باقي جوانب الأزمة البيئية، فكمية المياه التي تصل إلى المخيمات تختلف من مكان لآخر؛ بعض المخيمات مدعومة تصلها كميات أكبر، بينما مخيمات أخرى تعاني من شحّ شديد، وهناك أسر تبقى أيامًا بلا ماء. هذا التفاوت يجعل الناس يواجهون صعوبة كبيرة في نقل المياه من مكان إلى آخر، ويضطرون أحيانًا للجوء إلى أقرب نقطة توزيع، حيث تكون الكميات قليلة جدًا لا تكفي إلا للحاجات الضرورية.
وتشير إلى أن فترة انقطاع المياه تُعد من أصعب الأوقات، إذ ينعكس ذلك على الاهتمام اليومي مثل الغسيل والجلي. وتوضح أن مشروع تحلية مياه الساحل ساعد في تحسين الوضع في منطقة المواصي، حيث يتم توزيع المياه عبر المضخات أو شاحنات مخصصة، لكن هذا الدعم لا يغطي جميع المناطق.
ورغم هذه الظروف، تشير إلى وجود مبادرات من المؤسسات والجمعيات لتوفير المياه عبر شاحنات مخصصة، حيث يذهب الناس لتعبئة حاجتهم اليومية. كما أن بعض أصحاب الآبار يساهمون بتشغيلها وتوزيع المياه على المخيمات أثناء الانقطاع، وهو ما يخفف جزئيًا من الأزمة.
ورغم هذه الجهود لتوفير المياه، بقيت القوارض تشكل تهديدًا مباشرًا للأسر، لتضيف عبئًا جديدًا على حياتهم اليومية.
تقول أن القوارض أصبحت خطرًا يوميًا يهدد حياتهم داخل المخيمات، حيث سُجلت إصابات عديدة خصوصًا بين الأطفال نتيجة العض أو التسمم، وبعض الحالات وصلت إلى العناية المركزة بسبب شراسة هذه الحيوانات المنتشرة في القطاع.
وتشير إلى أن وجود القوارض في البيت أو الخيمة أو أي مركز إيواء يمثل تهديدًا مباشرًا للأفراد والطعام، فمجرد الشك بوجودها قرب الطعام يدفع الناس إلى التخلص منه فورًا خوفًا من الأمراض الخطيرة التي قد تصيب أفراد الأسرة، خاصة الأطفال.
وتضيف أن القوارض لا تقتصر أضرارها على الطعام فقط، بل تخرب الملابس أيضًا؛ فهي تمزق أي قطعة موجودة، وقد تسبب أمراضًا جلدية إذا ارتداها أحد. لذلك يضطر الأهالي إلى حفظ الملابس والأغراض في حقائب محكمة الإغلاق لحمايتها.
وتوضح أن حماية الأطفال أصبحت أولوية، حيث يحاول الأهالي رفع الأسرّة عن الأرض أو وضعهم في غرف مغلقة بإحكام لمنع دخول القوارض، كما يتم تخزين الطعام والملابس في أماكن آمنة لتجنب أي ضرر.
وتؤكد أن المشكلة تفاقمت مع تراكم النفايات في الشوارع، إذ وفر ذلك بيئة خصبة لزيادة أعداد القوارض وانتشارها بجانب الخيام والطرقات والأراضي العامة.
وتشير إلى أن الأهالي استخدموا وسائل متعددة لمكافحتها مثل المصائد، لكنها باهظة الثمن ولا يستطيع الجميع شراؤها، أما السموم فهي فعّالة لكنها خطرة جدًا إذا وُجد أطفال أو حيوانات أليفة في الخيمة.
وتختم حديثها بأن القوارض تسببت في شعور دائم بالخوف والقلق والتوتر، خاصة في الليل حيث يزداد انتشارها مع هدوء الشوارع. هذا الخوف يمنع الأهالي من النوم براحة، ويجعلهم في حالة قلق مستمر على أنفسهم وأطفالهم من أي ضرر محتمل.
بعد شهادات الأهالي، يوضح الملاحظ الصحي إسماعيل الترابين كيف تتعامل البلديات مع هذه الأزمات.
يقول إسماعيل أن إدارة المياه في غزة تتم وفق جدول محدد يعتمد على الكثافة السكانية؛ فهناك مناطق تحتاج إلى ضخ يومي بسبب كثافتها العالية، بينما مناطق أخرى أقل كثافة يتم ضخ المياه إليها يومًا بعد يوم.
ويضيف أن أكبر التحديات التي تواجه البلديات في تشغيل شبكات المياه تتمثل في وجود بعض الآبار قرب مناطق تواجد قوات الاحتلال، إضافة إلى عدم التزام المواطنين بدفع الفواتير الشهرية، مما يؤدي إلى عجز البلديات عن توفير الوقود أو إصلاح الشبكات التالفة.
ومع ذلك، يؤكد أن هناك خطط لإعادة التشغيل، كما حدث في الحروب السابقة، حيث لم تُترك محطة أو خط مياه متضرر إلا وأُعيد تشغيله جزئيًا أو كليًا.

ويشير إلى أن البلديات تتعامل مع شكاوى السكان بخصوص قلة المياه أو تلوثها عبر تقسيم الكميات حسب نسبة السكان، ونقل المياه إلى المناطق المعطلة بواسطة صهاريج وشاحنات، مع تعقيمها بالكلور.
كما أن هناك تعاون مع مؤسسات دولية لإدخال المعدات والوقود اللازم لتشغيل المحطات، لكن حتى الآن لم تدخل أي معدات، والوقود المتوفر لا يكفي لتشغيل الآليات بشكل كامل.
ويؤكد أن أكثر من 50% من سكان القطاع لا تصلهم المياه بشكل منتظم، كونهم نازحين خارج مدنهم وقراهم ويعيشون في المخيمات. لذلك يتم تأمين المياه وقت توقف الشبكات عبر نقلها من محطات خاصة بواسطة شاحنات، مع وجود خطط مستقبلية لحفر آبار جوفية لتحسين الإدارة.
أما فيما يخص القوارض، فيوضح الترابين أن هناك خططًا لمكافحتها عبر إعداد السم اللازم، لكن المبيدات لم تكن متوفرة حتى وقت قريب بسبب منع دخولها من المعابر.
ويشير إلى أن العلاقة بين تراكم النفايات وانتشار القوارض علاقة طردية؛ فكلما زادت النفايات في الشوارع زاد عدد القوارض، خاصة مع قيام المواطنين بإلقاء الأطعمة في الطرقات، مما يوفر بيئة خصبة لتكاثرها وانتشارها.
ما يرويه الأهالي في غزة يوضح أن الأزمة البيئية أن الأزمة البيئية في غزة تجاوزت حدود كونها مشكلة خدماتية لتصبح أزمة إنسانية شاملة. فالمشهد اليومي في المخيمات ومراكز الإيواء يتسم بتداخل أزمة النفايات مع شحّ المياه وانتشار القوارض، مما يضاعف من المخاطر الصحية ويزيد من القلق النفسي لدى السكان.
ورغم المبادرات التي أطلقها الأهالي والمؤسسات للتخفيف من حدّة الأزمة، فإن حجم التحديات يوضح أن الحلول الجزئية لا تكفي. إن هذه الأزمات المتشابكة تشكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع على الصمود، وتؤكد أن الحاجة باتت ملحّة إلى خطط طويلة الأمد تضمن إدارة أفضل للموارد، وتكافح مسببات الأمراض، وتعيد للسكان حقهم في بيئة نظيفة وآمنة.
