تقرير: من بين الركام يولد الأمل: المشاريع الصغيرة في غزة كنافذة حياة

من بين الركام يولد الأمل: المشاريع الصغيرة في غزة كنافذة حياة

في ظلّ الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون في قطاع غزة نتيجة الحرب والحصار المستمر، برزت المشاريع الصغيرة كنافذة أمل ووسيلة للبقاء. هذه المبادرات الاقتصادية لا تقتصر على توفير مصدر دخل للأسر، بل تمثل أيضًا شكلاً من أشكال الصمود المجتمعي، حيث يسعى الشباب والنساء إلى ابتكار حلول محلية لمواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة. إن دراسة هذه المشاريع تكشف عن قدرتها على تعزيز روح المبادرة، وتوفير بدائل اقتصادية، والمساهمة في الحفاظ على النسيج الاجتماعي رغم التحديات الهائلة.

وعلى الصعيد النفسي، تمنح هذه المشاريع أصحابها شعورًا بالقدرة على التحكم في حياتهم وسط الفوضى، وتعيد لهم الثقة بقدرتهم على الإنتاج والابتكار. كما تساهم في تخفيف الضغوط النفسية عبر خلق هدف يومي يسعى الفرد لتحقيقه، وتزرع بذور الأمل في بيئة يغلب عليها القلق والإحباط. بذلك تصبح المشاريع الصغيرة وسيلة لتعزيز الصمود النفسي إلى جانب دورها الاقتصادي والاجتماعي.

ومن بين هذه المبادرات، يبرز مشروع "علا نصّار"الذي يقوم على استخدام الرسم كوسيلة للتفريغ النفسي والتعبير عن المشاعر، خاصة للنساء.

Picture2.png

تقول علا: "مشروعي قائم على استخدام الرسم كوسيلة للتفريغ النفسي والتعبير عن المشاعر، ومن خلال الألوان والرموز الفنية نسعى إلى خلق مساحة آمنة للتعبير عن الألم والقوة والأمل."

وتوضح أن الفكرة انطلقت من إيمانها بأن الفن ليس مجرد رسم، بل وسيلة للتعبير العميق عن المشاعر: "في ظل الظروف الصعبة لاحظت حاجة النساء إلى فضاء آمن يعبّرن فيه عن مشاعرهنّ دون كلمات، ومن هنا بدأت الفكرة."

لكن الطريق لم يكن سهلًا؛ فقد واجهت علا عقبات عديدة أبرزها الضغوط النفسية وصعوبة توفير الإمكانيات. ومع ذلك، ظل إيمانها بالفن دافعًا للاستمرار، مؤكدة أن تفاعل النساء وتأثرهنّ بالمشروع كان حافزًا قويًا لها.

التجربة انعكست أيضًا على حياتها اليومية، حيث تقول: "أصبحت أؤمن أكثر بأن الرسم قادر على تخفيف الضغط ومنح الإنسان مساحة للتعبير والراحة النفسية، كما قرّبتني التجربة من الناس وأشعرتني بقيمة التأثير الإيجابي مهما كان بسيطًا."

ورغم نقص الموارد وانقطاع الكهرباء، وجدت علا حلولًا عملية بتغيير أوقات الجلسات حسب الظروف، مشيرة إلى أن الإصرار على الاستمرار كان أقوى من التحديات. أما عن التمويل فتوضح أن الحصول على الدعم كان صعبًا، لكنها بدأت بما هو متوفر لأن الرسالة أهم من الإمكانيات الكبيرة.

الأثر على المجتمع كان واضحًا، إذ تؤكد: "الرسم غيّر مزاج المشاركات ومنحهنّ لحظات من الراحة والتفريغ." كما لاقت الفكرة دعمًا معنويًا من المجتمع المحلي، مما عزز ثقتها بقدرتها على الاستمرار.

وتختم حديثها: "نحرص دائمًا على خلق مساحة آمنة ومريحة للتعبير بحرية، ومن خلال الجلسات المشتركة نزرع الأمل ونقوي العلاقات، لتصبح هذه المشاريع وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة الضغوط النفسية."

Picture3.png

تبرز قصة الشابة "إسراء أبو القمصان"، صاحبة مشروع "فستان وعباية"، كواحدة من نماذج الصمود والإصرار في غزة.

تقول إسراء: "أنا خريجة تصميم أزياء، وكان شغفي كبيرًا منذ البداية، وكنت من أوائل دفعتي. بعد التخرج مباشرة في عام 2012 افتتحت مشروعي، لكنه تضرر في حرب 2014، فعدت للعمل من داخل بيت أهلي حتى عام 2020، حيث واجهت تجارب ومراحل صعبة، خاصة أنني كنت أمًا لطفلة أتحمل مسؤوليتها وحدي."

رغم الظروف، استطاعت أن تبني قاعدة جماهيرية لمشروعها، وأعادت افتتاحه خارج البيت عام 2020. لكن حرب 2023 ألحقت به أضرارًا جسيمة، وخسرت بيتها، لتعيش بين عامي 2023 و2026 ثلاث سنوات في خيام النزوح، متنقلة أكثر من 15 مرة. ومع ذلك، لم تستسلم، بل أعادت إطلاق مشروعها من جديد تحت اسم "مأوى ومشغل".

توضح إسراء أن أكبر عقبة واجهتها كانت احتكار المواد وارتفاع أسعار الكهرباء، مما جعل الربح شبه مستحيل. ومع ذلك قررت أن تبدأ من الصفر، حتى من داخل الخيمة، وحصلت على سبعة طلبات في يوم واحد بعد إعلانها العودة للعمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

و عن دافعها للاستمرار تقول: "ظروفي جعلتني أشعر أن لا أحد يهتم بنا أو يوفر لنا الدعم، فقررت أن أبدأ من جديد، كما فعلت مرات عديدة من قبل."

أما عن أثر التجربة على حياتها اليومية فتضيف أنها أصبحت أكثر انتظامًا ومسؤولية، وأصبح يومها أكثر ترتيبًا.

رغم نقص الموارد، لجأت إلى بدائل متاحة في السوق، لكنها لم تحصل على أي دعم أو تمويل، بل اعتمدت على الديون. ومع ذلك، كان لمشروعها أثر إيجابي على المجتمع، إذ أصبحت مثالًا للآخرين أن الخيمة ليست نهاية الطريق، بل مرحلة يمكن الانطلاق منها من جديد.

وتشير إلى ردود فعل الناس، حيث كان هناك من يشجعها ويدعمها، وهناك من انتقد فكرة العمل من داخل الخيمة، لكنها واجهت كل ذلك بالصبر والإصرار. أما عن استقبال منتجاتها فتقول إن الناس أحبوا التصاميم لأنها كانت مختلفة عن الملابس المحلية المتشابهة، حيث وفرت لهم خيارات حسب رغباتهم ومعاييرهم.

وتختم إسراء حديثها: "اليوم أنا مثال على أن المشاريع الصغيرة قادرة على تعزيز الأمل والتماسك الاجتماعي. رغم الضغوط النفسية، فإن العمل يمنحني طاقة إيجابية ويعيد لي إحساسي بالمسؤولية والطموح. هدفي أن أبدأ من الصفر مرة أخرى، حتى أصل إلى إنشاء أكاديمية لتعليم الأزياء."

تظهر تجربة الشابة "عطاف محمد السويسي"، التي انطلقت من ملاحظتها للحاجة الكبيرة إلى الدعم النفسي والتوعية داخل مخيمات الإيواء وبين طلبة الجامعات.

Picture4.png

تقول عطاف: "خطرت لي فكرة المشروع بعد أن رأيت حجم المعاناة والحاجة إلى مساحة آمنة للتعبير، فبدأت بخطوات بسيطة ومبادرات توعوية صغيرة، ثم تطورت لتصل إلى عدد أكبر من المستفيدين."

واجهت عقبات عديدة أبرزها ضعف الإمكانيات والظروف الصعبة داخل أماكن التنفيذ، لكنها استمرت بدافع المسؤولية والرغبة في ترك أثر إيجابي: "رغم قلة الموارد، كان إيماني بأهمية العمل الإنساني أكبر من كل التحديات."

التجربة انعكست على حياتها اليومية، حيث أصبحت أكثر قوة ووعيًا بأهمية الدعم المجتمعي، وأدركت أن العمل الإنساني ليس مجرد مبادرة، بل أسلوب حياة. ورغم نقص الموارد وانقطاع الكهرباء، وجدت حلولًا عملية بالاعتماد على بدائل بسيطة وتنظيم الوقت حسب الإمكانيات المتاحة.

أما عن التمويل فتشير إلى أنها واجهت صعوبة في الحصول على الدعم بسبب كثرة الاحتياجات وقلة الموارد، لكنها بدأت بما هو متاح لأن الرسالة أهم من الإمكانيات الكبيرة.

الأثر على المجتمع كان واضحًا، إذ ساعد المشروع الناس من خلال تقديم التوعية والدعم النفسي وخلق مساحة آمنة للتعبير والمشاركة. وتؤكد عطاف: "شعرت بدعم وتشجيع من المجتمع المحلي، وكانت ردود الفعل إيجابية جدًا، مما زاد من حماس ي للاستمرار."

وتختم حديثها: "هذه المشاريع الصغيرة توفر بيئة آمنة للشباب للتعبير عن أنفسهم بحرية، وتساهم في نشر الأمل وتعزيز التماسك الاجتماعي، كما تساعد في التخفيف من الضغوط النفسية ومنح الناس شعورًا بالدعم والانتماء."

رغم قسوة الحرب والحصار، أثبتت تجارب الشباب والنساء في غزة أن المشاريع الصغيرة قادرة على تحويل الألم إلى قوة، واليأس إلى أمل. هذه المبادرات لم تقتصر على توفير دخل أو منتجات، بل منحت أصحابها والمجتمع شعورًا بالقدرة على الاستمرار، وخلقت مساحات آمنة للتعبير والإبداع، ورسخت قيم التعاون والتماسك الاجتماعي.

من بين الركام يولد الأمل، ومن بين التحديات تظهر فرص جديدة تثبت أن الإنسان قادر على النهوض مهما كانت الظروف. إن دعم هذه المشاريع ليس مجرد مساعدة اقتصادية، بل هو استثمار في الصمود النفسي والاجتماعي، وفي مستقبل أكثر إشراقًا لأبناء غزة.

المصدر : تقرير - رغد سمير عياد

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد