اتفاق واشنطن وطهران: ترامب بين نارين ومخاوف من التنازل
يواجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، معضلة سياسية وإستراتيجية مع اقتراب المفاوضات الجارية مع إيران من تفاهم أولي قد يمدد وقف إطلاق النار بين الجانبين، إذ يجد نفسه بين ضغوط تدفع نحو إنهاء التوتر في مضيق هرمز وخفض أسعار الوقود، وبين مطالب متصاعدة داخل الحزب الجمهوري بمواصلة الضغط على طهران وعدم تقديم تنازلات لها.
وجاء ذلك بحسب تحليل نشرته وكالة "رويترز"، اليوم الجمعة 29 مايو 2026، تناول التداعيات السياسية المحتملة للتفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران، في ظل تقارير عن اتفاق مبدئي قد يمدد وقف إطلاق النار الحالي ويخفف القيود المفروضة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع تأجيل البت في الملف النووي الإيراني إلى جولة لاحقة من المفاوضات.
وبحسب الوكالة، فإن هذا الاتفاق، في حال حظي بموافقة ترامب والقيادة الإيرانية، سيمثل أبرز خطوة نحو التهدئة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي. كما قد يسهم في تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بالحرب وبالتوتر في مضيق هرمز.
غير أن هذا المسار يثير اعتراضات متزايدة داخل المعسكر الجمهوري، حيث يرى مسؤولون ومشرعون بارزون أن أي تفاهم لا يتضمن معالجة فورية للبرنامج النووي الإيراني قد يكرر، بصيغ مختلفة، تجربة الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى.
ونقلت "رويترز" عن شخصيات جمهورية بارزة، من بينها أعضاء مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وروجر ويكر وتيد كروز، دعواتها للرئيس الأميركي بعدم تقديم تنازلات لطهران، في وقت شدد فيه ترامب على أنه "ليس في عجلة من أمره" ولن يقبل سوى باتفاق وصفه بأنه "عظيم".
وفي هذا السياق، قالت الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز، لورا بلومنفلد، إن تصريحات ترامب المتقلبة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أنه "يحاول إنهاء حرب واسعة النطاق بأي شكل"، فيما أكد مسؤول في البيت الأبيض أن "المفاوضات تسير بشكل جيد"، وأن الرئيس أوضح خطوطه الحمراء المتعلقة بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وأشارت الوكالة إلى أن التسريبات المتعلقة بمذكرة التفاهم المقترحة تترك عددا من الملفات الأساسية دون حسم، من بينها مستقبل مضيق هرمز على المدى البعيد، ومصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وحدود تخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.
ولفتت إلى أن الإطار المطروح حاليا يبتعد عن مطالب ترامب السابقة التي تحدث فيها عن "استسلام غير مشروط" لإيران، كما يبتعد عن تعهداته السابقة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بينما تواصل طهران التأكيد على أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية.
وفي انتقاد للتفاهمات المتداولة، اعتبر مدير السياسات في منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، جيسون برودسكي، أن الجمهورية الإسلامية قد تكون المستفيد الأكبر من الاتفاق إذا صحت التفاصيل المتداولة، معتبرا أن مجرد التعهد بإجراء مفاوضات نووية إضافية لا يحقق مكاسب واضحة للولايات المتحدة.
في المقابل، أكدت وكالة "تسنيم" الإيرانية أن نص الاتفاق لم يُستكمل بعد، فيما لا تزال المفاوضات مستمرة وسط شكوك بشأن إمكانية تجاوز العقبات التي أفشلت محاولات سابقة للتوصل إلى تفاهم دائم بين الجانبين.
ورأت "رويترز" أن ترامب يحاول الموازنة بين دفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات إستراتيجية، وبين تقديم حوافز محدودة تسمح بإنجاز اتفاق يمكن تسويقه داخليا باعتباره نجاحا سياسيا.
وأضافت أن إعادة فتح مضيق هرمز ستكون موضع ترحيب دولي واسع، لكنها تعني عمليا استعادة الوضع الذي كان قائما قبل اندلاع الحرب، وليس تحقيق مكسب جديد للولايات المتحدة.
وفي الوقت ذاته، تسعى إيران إلى الحصول على تخفيف مسبق للعقوبات ودعم اقتصادها المتعثر، وهو ما يثير مخاوف منتقدي ترامب من إمكانية تقديم تنازلات اقتصادية كبيرة مقابل اتفاق مؤقت.
كما أشارت الوكالة إلى أن عامل الوقت يضغط على الإدارة الأميركية، مع تراجع معدلات التأييد الشعبي للرئيس واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
ويرى محللون أن طهران تتصرف بثقة أكبر بعد أن تمكنت من الصمود خلال الحرب وأثبتت قدرتها على التأثير في حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز.
ونقلت الوكالة عن الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، جون ألترمان، قوله إن ترامب "يبدي كل المؤشرات على رغبته في إنهاء هذا الأمر بسرعة، وهذا ما يجعل الإيرانيين أكثر تمسكا بمواقفهم".
وخلص التقرير إلى أن الطريقة التي سيختار بها ترامب إنهاء المواجهة مع إيران قد تتحول إلى أحد أبرز العوامل التي ستحدد إرث سياسته الخارجية خلال ولايته الثانية، سواء عبر اتفاق تفاوضي أو من خلال العودة إلى التصعيد العسكري.
