في غزة ، لم يعد عيد الأضحى موعداً للفرح كما عرفه الناس يوماً، بل صار تاريخاً إضافياً يُعلَّق على جدار الوجع الطويل، شاهداً على عامٍ ثالثٍ متتالٍ يأتي مثقلاً برائحة الموت والدخان والدمار، فيما المدينة الصغيرة المحاصرة تغرق أكثر في دمائها، وتُدفن أحلام أهلها تحت الركام.

يأتي العيد، لكن لا شيء يشبه العيد.

لا أصوات تكبيرٍ تعلو فوق أصوات الطائرات، ولا ضحكات أطفالٍ تركض خلف الأضاحي في الأزقة، ولا رائحة خبز العيد المختلطة بفرحة الصباحات القديمة. وحدها صفارات الإسعاف تعرف طريقها جيداً، ووحدها الأمهات يحفظن تفاصيل الفقد كما يحفظ الناس في البلاد الآمنة أناشيد الأعياد.

في غزة، أصبح الليل مرادفاً للرعب.

البيوت التي كانت تمتلئ بأصوات العائلات صارت أهدافاً مؤجلة للقصف، والهدم بات عادة يومية لا تثير دهشة أحد. عشرات المنازل تُمحى في دقائق، وعائلات كاملة تنتقل من دفء الجدران إلى برد الخيام، تحمل ما تبقى من صورها وذكرياتها وبعض الثياب، ثم تجلس تنتظر يوماً جديداً لا تعرف إن كانت ستنجو فيه أم لا.

هناك، لم يعد الإنسان يخاف الموت وحده، بل يخاف أن يموت دون أن يجد من يدفنه، أو أن يُنتشل طفله من تحت الركام بلا ملامح.

ثلاثة أعياد متتالية وغزة تنزف.

ثلاث سنوات والناس يودّعون أبناءهم أكثر مما يستقبلون العيد.

صار العيد موسماً للحزن الجماعي، تتجه فيه العائلات إلى المقابر بدل الحدائق، وتُقرأ الفاتحة على أرواح الراحلين أكثر مما تُتبادل التهاني بين الأحياء. حتى العيديات فقدت معناها، فكيف لطفلٍ فقد والده أو أمه أو منزله أن يفرح ببعض النقود الغير موجودة أصلاً، بينما قلبه مثقل بصورة الغائبين؟

الفقر هناك لم يعد مجرد ضيق حال، بل حصارٌ يخنق تفاصيل الحياة كلها.

الناس عاجزون عن شراء أبسط احتياجاتهم، والأسواق التي كانت تضج بالحركة قبيل العيد تبدو شاحبة كأنها تشارك أهل غزة حدادهم الطويل. كثير من الآباء يقفون عاجزين أمام أمنيات أطفالهم الصغيرة، لا ملابس جديدة، لا ألعاب، لا حلوى، ولا حتى طمأنينة تكفي لينام الصغار دون خوف.

أما الأضاحي، تلك الشعيرة التي كانت تبعث البهجة في النفوس، فقد أصبحت حلماً بعيداً. لم تعد الشوارع تعرف أصوات الخراف، ولا الأطفال يركضون خلفها ضاحكين كما في السنوات الماضية. اختفت طقوس الذبح وتوزيع اللحوم على الفقراء، لأن الجميع أصبحوا فقراء، والجميع ينتظر ما يسد الجوع فقط.

وفي غزة المحاصرة، حتى الحج صار أمنية موجوعة.

آلاف المسلمين هنا حُرموا من السفر إلى مكة، ومن الوقوف بعرفة، ومن لمس الكعبة والدعاء عند أبواب الرحمة. كأن الحرب لم تكتفِ بسرقة البيوت والأرواح، بل أرادت أن تحاصر الإيمان نفسه، وأن تمنع الناس حتى من ممارسة شعائرهم التي تمنحهم بعض السكينة.

ورغم كل هذا الخراب، لا يزال أهل غزة يتشبثون بالحياة بطريقة تثير الدهشة.

تجد أماً تُعدّ ما تيسر من الطعام لأطفالها ليلة العيد وكأنها تقاوم الموت بالمحبة، وتجد أباً يحاول رسم ابتسامة على وجه أطفاله رغم الجوع والخوف، وتجد طفلاً يقف وسط الركام حاملاً بالوناً صغيراً، كأن البراءة آخر ما تبقى في هذه المدينة المنهكة.

غزة اليوم لا تحتاج شفقة العالم، بل تحتاج أن يتوقف هذا النزيف.

تحتاج أن يأتي العيد مرةً واحدة بلا شهداء، بلا قصف، بلا خيام، بلا قوائم طويلة من المفقودين. تحتاج أن يعود الأطفال للركض خلف الأضاحي لا خلف عربات الإسعاف وعربات توزيع المياه والطعام، وأن تعود دماء الأضاحي لتملأ الشوارع بدل دماء الأبرياء.

في غزة، العيد لا يأتي هذه السنوات إلا محمولاً على الأكفان. ومع ذلك، يظل الناس يرفعون أيديهم إلى السماء، مؤمنين أن بعد هذا الليل الطويل فجراً لا بد أن يولد، وأن للقلوب المكسورة موعداً مع الرحمة والفرح مهما طال الوجع.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد