في مكانٍ يُفترض أن يكون نهاية الحكاية بعد عامين ونصف من الإبادة المتوحشة، تبدأ غزة بسردٍ غير متوقع وربما غير مفهوم للبعض. بين خيام اللجوء وبقايا الجدران التي تحوّلت إلى ذاكرة مفتوحة على السماء، تقف غزة كاستثناء حيّ في معادلة الفناء. هنا، لا يُقاس البقاء بعدد البيوت التي نجت، بل بعدد القلوب التي ما زالت تنبض بالحياة. وهنا تحديداً، يحدث ما يُربك كل تفسير تقليدي: الناس بغــزة يرقصون في حفلات صاخبة!
إحياء الأفراح وممارسة الغناء والرقص وسط هذه الإبادة ليس رقصاً عابراً، ولا محاولة ساذجة للهروب من الألم المستمر. إنه فعلٌ واعٍ وقديم، مُحمّل بالدلالات والعناد، أشبه بإعلانٍ جماعي أن الحياة لا تُهزم بسهولة. حين يرتفع صوت السامر الشعبي أو الدبكة الشعبية أو حتى الموسيقى الصاخبة في ساحاتٍ تُحيطها الخيام، وتنتظم الأقدام في إيقاعٍ واحد، لا يبدو المشهد احتفالاً بقدر ما يبدو استدعاءً للحياة من تحت الركام.
في عمق هذا المشهد، يكمن معنى إقامة الأفراح أبعد من ممارسة الفرح ذاته. حين يفقد الإنسان مكانه المادي-بيته، شارعه، ذاكرته الملموسة- يبحث الانسان بشكل غريزي عن بديل، عن جغرافيا جديدة لا يمكن قصفها. على سبيل المثال لا الحصر، الأفراح عند عائلة البحيصي في دير البلح، تتمثل في استمرارية التراث الشعبي الموروث منذ مئات السنين، فيصطف رجال العائلة في صفين متقابلين يقود كل صف قائد، يتبارزون بالشعر المُغناة وبحركات موزونة موروثة. حفل السامر لدى عائلة البحيصي ليس مجرد لون فلكلوري، بل هو مساحة رمزية يعيد فيها الناس تشكيل ذواتهم وتراث أجدادهم، ويؤكدون أنهم ما زالوا جماعة متمترسة في عمق الأرض، ما زالوا قادرين على الإمساك بخيط المعنى والأصالة وسط هذا التمزق.
يا دارنا يا دارنا لو عدنا كما كنا**** لأطليكِ يا دار بالشيد والحِنّة
ويا دار يا دار لو عادوا جميع أهلك **** لأعزم شباب البلد ترقص على ظهرك
وإن قدر الله وخلتنا مناياتا **** والحظل المُر لأسقيه لإعدانا
وأن قدر الله وخلتنا الليالي السودّ****لنصحنكم صحنّ الكُحل بالبارود.
الحركات الراقصة هنا ليس ترفاً أو تفريغ نفسي كامل المعنى، بل مقاومة من نوعٍ آخر. مقاومة لا تحمل سلاحاً، لكنها إرادة ترفض الانكسار. في كل خطوة دبكة، وفي كل تعليلة متناغمة، هناك رسالة غير منطوقة: لن نتحول إلى أرقام في نشرات الأخبار. لن نُختزل إلى صورٍ صامتة للخراب. نحن هنا، بكامل إنسانيتنا وأحلامنا، نغني ونرقص وندبك ونصنع لحظاتنا رغم كل شيء.
من زاوية نفسية، يمكن قراءة هذا المشهد كواحد من أعمق أشكال التكيف الإنساني. حين تعجز اللغة عن احتواء الفقد، يتكفّل الجسد بالمهمة. الحركة الراقصة تصبح وسيلة للبوح، والإيقاع يتحوّل إلى متنفسٍ لما تراكم من خوفٍ وحزن. الرقص الجماعي يمنح المشاركين إحساساً نادراً بالسيطرة-ولو مؤقتاً-على واقعٍ يبدو خارج السيطرة تماماً. هو شكل من أشكال "التعافي الجمعي"، حيث تلتئم الأرواح لا بالكلام، بل بالمشاركة في الفرح وإطلاق العنان للجسد للسفر حيث يشاء.
إن ما يحدث في غزة من انتشار حفلات الأفراح الكثيرة يتجاوز فكرة التكيف إلى ما هو أعمق: إلى إعادة تعريف معنى الحياة نفسها. هنا، لا تُقاس الحياة بوفرة الأشياء، بل بقدرة الإنسان على الاستمرار في الإحساس. أن تفرح، ولو للحظة، وسط هذا الخراب، هو انتصار صغير لكنه حاسم. أن ترفع صوتك بالغناء والرقص بينما العالم يتوقع منك الصمت والانزواء، هو فعل تحدٍ بامتياز.
تأمّل المشهد: شباب فقدوا أصدقاءهم وأهلهم، وأطفال كبروا أسرع مما ينبغي، ووجوه تحمل من التعب ما يكفي لسنوات، ومع ذلك حين يبدأ الحفل، تتغير الإيقاعات الداخلية. الأقدام لا تضرب الأرض فقط، بل تضرب اليأس نفسه. كأنهم يقولون: لن نمنحه هذه المساحة داخلنا.
إنها هرولة نحو الحياة، لا هروباً من الموت والوجع، بل رفضاً لأن يكون هو العنوان الوحيد. يركضون نحو الفرح لأن التوقف يعني الغرق في التفاصيل القاسية، والالتفات الطويل إلى الخسارة قد يُطفئ ما تبقى من ضوء.
أرَ حقاً متعة وجمالاً في حركات السامر الشعبي التي يؤديها أفراد عائلة البحيصي وخاصة أبيات الشعر المُغنى ذو المعنى والدلالات الوطنية العميقة والرومانسية البهية، إن أداء حفل السامر في ظل هذه الظروف هو قمة الوفاء للتراث والأرض والمحبوبة، فالحركات الراقصة ليس نقيض الحزن، بل شقيقه الذي يرفض أن يتركه وحيداً. احياء الفرح التراثي هو الطريقة التي تقول بها غزة للعالم: يمكن للإنسان أن ينكسر، نعم، لكنه يستطيع أيضاً أن يعيد ترتيب شظاياه في هيئة أغنية راقصة ذات مقاصد تراثية عميقة. وهكذا، يصبح السامر الشعبي أكثر من رقصة وأبيات شعرية مُغناة؛ يصبح بياناً حياً، مكتوباً بالإيقاع: نحن هنا… وما زلنا نختار الحياة، كلما سنحت لنا الفرصة لنبقى في هذه الأرض مقاومين، عُشاق وحالمين بغدٍ تشرق فيه شمس الحرية والكرامة. غيّر شباب عائلة البحيصي سياقة أغاني الزفة التراثية لكلمات تخاطب الإبادة قائلين:
يا يهودي ليك عنا "ابعد عنا" والوطن هذا وطنا.
إن السامر الغنائي التراثي لآل البحيصي في دير البلح ليس مجرد حركات راقصة وأهازيج شعبية فحسب، إنه "بيان صمود" بلغة الموسيقى التراثية، مفاده: نحن هنا، وما زلنا نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
