يكشف التدقيق في مجريات الأحداث أن موافقة بنيامين نتنياهو ، رئيس حكومة الاحتلال، على وقف إطلاق النار، سواء مع إيران أو لبنان، لم تكن نتاج تحول استراتيجي بقدر ما جاءت استجابة مضطرة لضغوط داخلية وخارجية متشابكة. وقد انعكس ذلك سريعًا في تصاعد موجة الاعتراضات داخل إسرائيل، لا سيما في أوساط اليمين المتطرف، التي رأت في هذه التفاهمات تراجعًا عن منطق الحسم الذي تتبناه. وفي ظل هذه البيئة الداخلية المتوترة، تبدو احتمالات إعادة توجيه بوصلة التصعيد نحو الساحة الفلسطينية قائمة بقوة، باعتبارها المجال الأكثر قابلية للتوظيف السياسي والأقل كلفة في حسابات الحكومة الإسرائيلية.
لذلك، لا بد من النظر إلى حالة الهدوء النسبي على الجبهات الإقليمية، ليس بوصفها استقرارًا قابلًا للاستمرار، بقدر ما تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. فإسرائيل، التي وجدت نفسها مضطرة لالتقاط الأنفاس على أكثر من جبهة، قد ترى في الساحة الفلسطينية مجالًا لإعادة ترميم توازناتها الداخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في أكتوبر القادم. ويظهر ذلك بوضوح في تشديد الشروط الإسرائيلية المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ، بما يشير إلى نزعة متزايدة للتنصل من الالتزامات ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.
في هذا السياق، تحكم حسابات نتنياهو اعتبارات داخلية ضاغطة، على رأسها الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني ومنع تفككه تحت ضغط التناقضات. ومن هنا، يتحول التصعيد إلى أداة سياسية بامتياز، تُستخدم لإعادة شدّ العصب الداخلي وتفادي أزمات الحكم. وهذا ما يجعل من الهدوء الحالي مجرد هدنة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة، حيث تبقى الساحة الفلسطينية المرشح الأبرز لتكون ميدان هذا الانفجار.
بالتوازي، تكشف التحركات السياسية الجارية عن مأزق عميق في مسار المفاوضات. فاللقاءات التي تجري برعاية أطراف دولية، بما يُسمى “مجلس السلام” وتشكيلاته، لم تحقق أي اختراق ملموس، بل بقيت تدور في حلقة مفرغة، في ظل محاولات لفرض مسارات جزئية أو مجتزأة تُستخدم كأدوات ضغط على الفلسطينيين، دون أي التزام إسرائيلي حقيقي بوقف العدوان أو تنفيذ استحقاقات إنسانية أساسية، مثل فتح المعابر، أو إدخال المساعدات، أو الشروع في إعادة الإعمار. إن هذا النمط من إدارة المفاوضات لا ينتج حلولًا بقدر ما يعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة في طبيعة التفاوض الجاري في الإقليم؛ إذ تجلس دول مثل إيران ولبنان إلى طاولة المفاوضات بوصفها أطرافًا كاملة السيادة في القانون الدولي، بما تمتلكه من تمثيل سياسي واضح ومحدد، في حين تُغَيَّب القضية الفلسطينية عن هذا المستوى من التمثيل، حيث يتم تجاوز دولة فلسطين، بما تحمله من مكانة سياسية وقانونية واعتراف دولي، وتُختزل في قنوات تفاوضية مع فصائل أو أطراف غير سيادية. ولا يقتصر هذا الخلل على الشكل، بل ينعكس على مضمون العملية السياسية نفسها، إذ يفتح الباب أمام إعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني تحظى باعتراف وقرارات دولية، إلى ملف أمني أو إنساني قابل للإدارة والاحتواء، بدل معالجتها كقضية حقوق وطنية غير قابلة للتصرف.
وفي خضم ذلك، يبرز ملف السلاح كأحد أكثر القضايا حساسية وإشكالية في المرحلة الراهنة، في ظل تزايد الضغوط الإقليمية والدولية لربط التهدئة طويلة الأمد بترتيبات أمنية محددة، دون أي التزام بفتح مسار سياسي جدي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما يقود إلى إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس . لذلك، فإن طرح هذا الملف واستخدامه كأداة ابتزاز، دون ربطه الصريح بإنهاء العدوان ورفع الحصار، يحوّله إلى وسيلة للتهرب من الاستحقاقات الواجبة أكثر منه مدخلًا لحل مستدام. فمقاربة هذه القضية بمعزل عن السياق الشامل للصراع تعني عمليًا تكريس إدارة الأزمة بدلًا من معالجتها.
ميدانيًا، تبدو غزة مرشحة للدخول في مرحلة “التصعيد المحسوب”، الذي يجمع بين استمرار العمليات العسكرية والتوغلات المحدودة، وتوسيع مناطق سيطرة الاحتلال، وزيادة الضغط السكاني في مساحات ضيقة، بما يكرّس واقعًا إنسانيًا أكثر قسوة. ومع بطء إعادة الإعمار واستمرار النزوح، تتفاقم الأوضاع المعيشية بشكل ينذر بمخاطر جدية، لا سيما مع تعاقب الفصول وما يحمله ذلك من أزمات إضافية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، بما في ذلك محاولات التهجير القسري.
أمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم شاملة للمسارات السياسية القائمة، والانطلاق نحو مقاربة مختلفة تستند إلى مرجعية وطنية موحدة، تضمن توحيد القرار السياسي وإنهاء حالة التشتت التي أضعفت القدرة على مواجهة التحديات. كما تتطلب المرحلة كسر الحلقة المفرغة للمفاوضات، عبر التمسك بمسار سياسي واضح يقوم على التزامات محددة وجدول زمني ملزم، مدعوم بضمانات دولية حقيقية.
وفي الوقت ذاته، تزداد أهمية نقل مركز الثقل إلى الساحة الدولية، من خلال تفعيل أدوات القانون الدولي، واستثمار الاعتراف بدولة فلسطين لفرض كلفة سياسية وقانونية على الاحتلال، بدل الاكتفاء بردود الفعل. وبموازاة ذلك، يبقى تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم أولوية لا تقل أهمية عن أي مسار سياسي، باعتبار أن بقاء الإنسان الفلسطيني هو خط الدفاع الأول في مواجهة مخططات الإقصاء والتهجير.
في المحصلة، لا يمكن قراءة الهدوء النسبي في الإقليم بوصفه مقدمة لاستقرار دائم، بل كهدنة مؤقتة قد تخفي في طياتها إعادة تموضع للصراع. وفي ظل تداخل الحسابات الإسرائيلية الداخلية مع عجز المسارات السياسية عن إنتاج حلول حقيقية، تبقى الساحة الفلسطينية الأكثر عرضة لأن تكون مجددًا ساحة الانفجار القادمة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
