رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار بموجب المبادرة الباكستانية، ما زالت رشقات الصواريخ متبادلة، في مشهد يعكس هشاشة هذا الاتفاق، ويؤكد أنه لم يترسخ بعد كواقع مستقر، وأنه سيحتاج إلى وقت قبل أن تتضح بنوده وتُعيد الأطراف حساباتها بدقة.
وعليه، لا ينبغي التسرع أو الانخداع بمصطلح “وقف إطلاق النار” بين واشنطن وتل أبيب وطهران. فمثل هذه التفاهمات لا تعني نهاية الصراع، ولا تؤسس لسلام عادل، بل تعكس في جوهرها إعادة ترتيب موازين القوى، وتفادي الانفجار الكبير حين ترتفع كلفة المواجهة على الجميع، في ظل تنامي المخاوف من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
ما جرى ليس تحولًا سياسيًا حقيقيًا، بقدر ما هو هدنة اضطرارية فرضتها حسابات الربح والخسارة، وخشية الانزلاق إلى حرب مفتوحة. غير أن دروس التاريخ تؤكد أن مثل هذه الهدن كثيرًا ما تكون مجرد استراحة محارب، تسبق جولات جديدة أكثر عنفًا واتساعًا.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في هشاشة هذه التهدئة، بل في طبيعتها ووظيفتها السياسية. فمثل هذه التفاهمات غالبًا ما تُبنى على حساب شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني. وهنا تحديدًا تكمن خطورة أن يتحول هذا “وقف إطلاق النار” إلى هدنة تُدفع كلفتها فلسطين.
فحين تنشغل القوى الكبرى بإدارة صراعاتها المباشرة، تُدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، ويُ فتح المجال أمام تصعيد العدوان واستمرار الجرائم بحق شعبنا، في ظل صمت دولي مريب يعيد إنتاج سياسة التغاضي، وكأن الدم الفلسطيني خارج معادلات العدالة.
إن أي وقف لإطلاق النار لا يترافق مع وقف العدوان على شعبنا، ولا يضع حدًا للاحتلال، ولا يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية، هو وقف ناقص ومريب، وقد يتحول إلى غطاء لاستمرار حرب الإبادة في غزة ، وتسريع الاستيطان ومحاولات الضم، وتكريس الأمر الواقع في الضفة الغربية و القدس .
وعليه، فإن المطلوب ليس فقط تثبيت التهدئة بين القوى المتصارعة، بل فرض معادلة سياسية وأخلاقية واضحة: لا تهدئة على حساب فلسطين، ولا استقرار إقليمي يُبنى فوق معاناة شعبنا أو على حساب حقوقه الوطنية.
فالقضية الفلسطينية ليست تفصيلًا يمكن تأجيله، ولا ورقة قابلة للمقايضة. إنها جوهر الصراع في المنطقة، وأي محاولة لتجاوزها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الانفجار بأشكال أكثر خطورة.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ من تفاهمات مؤقتة، بل من إنهاء الاحتلال وإنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة.
وهذا يتطلب العمل الجاد على توحيد الموقف الفلسطيني، ووقف الرهان على المسارات الوهمية، والتمسك بمرجعية الأمم المتحدة وقراراتها، واستثمار اتساع حملات التضامن الدولي، والبناء على الاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين، كمدخل حقيقي لحل القضية، وإنهاء معاناة شعبنا، وتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد